anep-logo-new

الأحد، 1 مارس 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

ترامب يعيد سيناريو العراق في إيران

ترامب يعيد سيناريو العراق في إيران


من واشنطن: محمود بلحيمر


حرب مدمرة جديدة تشنها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. هي الحرب الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران في ظرف 8 أشهر، بعد قصفه لمنشآتها النووية في يونيو من العام الماضي فيما عرف بعملية "مطرقة منتصف الليل"، وقال حينها أنه تم القضاء تماما على البرنامج النووي الإيراني.


ترامب يشن الآن حربا جديدة قال عنها إنها "عمليات قتالية كبرى في إيران" هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأميركي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني" مضيفا: "سنُبيد أسطول إيران البحري ونتأكد من عدم امتلاكها سلاحاً نووياً"، و"سندمر صواريخ إيران وسنقضي على برنامجها الصاروخي". كما تحدث عن تغيير النظام الحاكم في طهران ودعم الإيرانيين للاستيلاء على الحكم بعد أن يتوقف هطول القنابل.  


ترامب على خطى المحافظين الجديد

التاريخ يعيد نفسه! أميركا تعيد نفس سيناريو حرب "تغيير النظام في العراق لعام 2003 في إيران. فبعد 23 عاما على قرار المحافظين الجديد بزعامة الرئيس جورج بوش الإبن غزو العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل (اتضح فيما بعد أنها مزاعم كاذبة) وتغيير نظام صدام حسين وجلب الحرية والديمقراطية للعراقيين، يُعيد ترامب تكرار نفس الخطاب لتبرير شن حرب مماثلة على إيران، لا تلقى دعم غالبية الأميركيين.


ترامب قال في مقابلة هاتفية مقتضبة مع "الواشنطن بوسط" فجر السبت ردًا على سؤال حول ما يأمل أن يكون إرثه نتيجة للعملية العسكرية ومساعي تغيير النظام الإيراني: "كل ما أريده هو الحرية للشعب". العبارة نفسها التي رددها جورج بوش في مارس 2003، وحتى وسائل إعلام أميركية مثل "سي أن أن" أطلقت على تغطياتها للحرب آنذاك عنوان: "عملية حرية العراق"!

تجدر الإشار إلى أن القادة الإيرانيين قدّموا تنازلات غير مسبوقة بشأن برنامجهم النووي في المفاوضات غير المباشرة التي توسطت فيها سلطنة عمان. وزير خارجية عمان بدر البوسعيدي صرّح لبرنامج "فايس ذا النايشن" على قناة "سي بي أس" أن الإيرانيين قدّموا تنازلات غير مسبوقة بما في ذلك قبولهم "صفر تخزين" للمواد المنتجة للقنبلة النووية و"تحقق شامل وكامل" من البرنامج النووي.


لكن من المرجح أن قرار الحرب قد اتخذه ترامب منذ فترة طويلة، وليس أدل على ذلك من التحشيد العسكري الأميركي غير المسبوق بالمنطقة منذ شهور. تزامن ذلك مع الضجة الإعلامية القوية المتواصلة في واشنطن بشأن ملفات جيفري إبستين. فترامب كان يأمل أن يُسدل الستار على الملف، غير أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تواصل إثارة الملف يوميا.

ترامب الآن يدشن حربا جديدة رغم أنه وعد خلال حملته الانتخابية بأنه سيوقف الحروب ولن يشنّ حربا جديدة وأنه رجل سلام ويأمل في الحصول على جائزة "نوبل". كما أن قاعدته الانتخابية "ماغا" (التي تعني لنجعل أميركا عظيمة مجددا) قامت أصلا على تركيز الاهتمام بالداخل الأميركي والقطيعة مع سياسات الحروب الخارجية التي لا تنتهي، كما سبق وأن انتقد ترامب مرارا الإدارات السابقة التي أهدرت، حسب قوله نحو 6 تريليونات دولار في حروب بأفغانستان والعراق ومناطق أخرى أنهكت الأميركيين.  


تيار "ماغا" مجرد آلة شعبوية

لكن من الواضح أن تيار "ماغا" استخدم كآلة شعبوية لحشد الأصوات بهدف إعادة ترامب إلى البيت الأبيض على ألاّ يُسمح له بالتأثير في سياسات الإدارة لاسيما الخارجية منها. فكما يبدو، لا يزال تصور تيار صقور المحافظين الجديد، الذي أقيم على نزعة خوض الحروب في الشرق الأوسط ضمن سردية سياسية وإيدليوجية غربية متطرفة ومتماهية مع السردية والأهداف الإسرائيلية في المنطقة،، لا يزال هذا التصور مهيمنا على المؤسسة السياسية في واشنطن، وتدعمه القوى المستفيذة من الحروب، أو ما يعرف بـ"المجمع الحربي الصناعي". كان بعض المحللين يأملون في أن يغيّر ترامب المعادلة لكونه أتى من خارج "مؤسسة واشنطن" و لخطابه المنتقد لبوش وديك تشيني، لكن نهجة، كما هو واضح، يقوم على استخدام القوة على نحو غير مسبوق، دون الاكتراث للقانون الدولي، كما رأينا في حالتي فنزويلا و إيران.

وزيادة على أن ترامب يبدو مدفوعا بنزعة شخصية للظهور بمظهر الزعيم الجريئ القادر على اتخاذ القرارات الكبيرة التي لا يجرؤ عليها القادة الأميركيون الآخرون، فتحركه منسجما تماما مع ما كان تطمح إليه إسرائيل منذ أكثر من عقدين من الزمن، وأعرب عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مرة. نتنياهو زار واشنطن 7 مرات خلال عام واحد، كانت آخر زيارة له قبل أسبوعين للتأثير على المفاوضات الجارية مع إيران في مسقط. فنتنياهو والتيار الحليف لإسرائيل في واشنطن يدفع منذ فترة للإطاحة بنظام الملالي في طهران، لأنهم في وجود "فرصة تاريخية"، وفق تعبيرهم، لإطاحة نظام الملالي الهش، لاسيما بعد التظاهرات الأخيرة للإيرانيين والمتاعب الاقتصادية التي تعيشها البلاد بسبب العقوبات الغربية، وأيضا تراجع تأثير حلفاء إيران في المنطقة.


لماذا بدأت هذه الحرب، سيدي الرئيس!

في افتتاحيتها صباح السبت بعنوان: "لماذا بدأت هذه الحرب، سيدي الرئيس" كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" تقول: "في حملته الرئاسية لعام 2024، وعد دونالد ترامب الناخبين بأنه سينهي الحروب ولا يبدأها. لكن خلال العام الماضي، أمر بدلًا من ذلك بشن ضربات عسكرية في سبع دول. ويبدو أن شهيته للتدخل العسكري تزداد كلما مضى في ذلك". وأضافت الصحيفة أن ترامب لم يقدّم أيّ تفسير موثوق لسبب تعريضه حياة الجنود الأميركيين للخطر واستدعائه ردًا انتقاميًا كبيرًا من إيران، كما أنه لم يُشرك الكونغرس، الذي يمنحه الدستور السلطة الحصرية لإعلان الحرب. ووصفت "نيويورك تايمز" نهج ترامب تجاه إيران بالمتهور، مضيفا أن "أهدافه غير محددة بوضوح، وقد أخفق في حشد الدعم الدولي والمحلي اللازم لتعظيم فرص تحقيق نتيجة ناجحة. كما تجاهل كلاً من القانونين الداخلي والدولي المنظمين للحرب".


صباح السبت بدأت ردود الفعل من أعضاء في الكونغرس الأميركي عن الحرب على إيران. غالبية المشرّعين الجمهوريين يؤيدون ترامب ومنهم من ساهم بقوة في دفعه مثل السناتور عن ولاية ساوث كارولينا، لندزي غراهام، الذي كتب على منصة "إكس"، إن نهاية أكبر دولة داعمة للإرهاب بات وشكيا". بينما انتقد مشرّعون ديمقراطيون قرار الحرب، أبرزهم العضو الديمقراطي في مجلس النواب الأميركي، رو خانا، الذي وصف حرب ترامب بـ"غير الشرعية لتغيير النظام في إيران"، وقال إنها تعرّض حياة الأميركيين للخطر، ودعا الكونغرس للاجتماع الاثنين للتصويت على تشريع تقدم به برفقة النائب الجمهوري توماس ماسي والحزب الديمقراطي لوقف ما يقوم به ترامب.

ويهدف مشروع القرار إلى منع ترامب من شن الحرب دون موافقة الكونغرس، ويؤكد أن الكونغرس لم يمنح تفويضًا لمهاجمة إيران، ويطالب بسحب القوات الأميركية خلال 60 يوما. وفي مجلس الشيوخ يعمل السيناتور الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا، تيم كاين، والسيناتور الجمهوري عن ولاية كينتاكي، ران بول، على تقديم مشروع قرار مماثل للتصويت. لكن يستبعد أن تكلل هذه الجهود بالنجاح داخل الكونغرس وفي وقت تتهاطل الصواريخ والقنابل على إيران.


وفي تغريدة على منصة "إكس" انتقد السيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا، روبن غاليغو، الذي سبق وأن شارك في حرب العراق يقول: "فقدت أصدقاءً في العراق بسبب حرب غير قانونية. لا ينبغي أن يضحي شبان من الطبقة العاملة بحايتهم من أجل تغيير نظام أو خوض حرب لم تُشرح أو تُبرَّر أسبابها للشعب الأميركي".


هناك معضلة تطرحها استراتيجية ترامب وتتعلق بالخطة العملية لإرساء نظام جديد في طهران مثلما يدعو ترامب. ففي كلمته فجر السبت خاطب الإيرانيين قائلا: "تولوا أنتم حكومة بلادكم. ستكون لكم. ربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال.. أميركا تدعمكم بقوة تدميرية هائلة وساحقة. الآن هو الوقت لاختيار مصيركم وبدء مستقبل مزدهر ومجيد يقترب من متناول أيديكم. هذه هي لحظة التحرك. لا تتركوها تمر". ترامب هنا يستعمل نفس المصطلحات التي استخدمها جورج بوش عند غزو العراق في 2003، لكن بعض الخبراء في واشنطن تساءلوا عن كيفية حصول ذلك في ظل عدم وجود قوات أميركية على الأرض، أي داخل إيران، لفرض أو مساعدة "النظام الجديد". وهذا يعني أن إيران ستكون مفتوحة على تعقيدات سياسية ونزاعات داخلية على السلطة قد لا تنتهي. علما أن الأميركيين لن يقبلوا تكرار سيناريو إرسال آلاف الجنود إلى الخارج كما حصل مع العراق.

من الواضح أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ستكون مدمّرة ليس فقط للقاعدة العسكرية الدفاعية لإيران، كالمنظومة الصاروخية والقوات البحرية والجوية والمنشآت العسكرية المختلفة، بل إن البنية التحتية والمنشآت الحيوية لبلد يضم نحو 93 مليون نسمة ستتضرر على نحو غير مسبوق، وهو ما سيدخل الإيرانيين في معاناة إنسانية قد تستمر عقود، دون أن ننسى أن العدد الكبير المتوقع من الضحايا المدنيين لحرب غير مسبوقة في المنطقة.


م. ب

اخبار اخرى