anep-logo-new

الاثنين، 16 مارس 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

الحرب على إيران ستكلّف ترامب الكثير

الحرب على إيران ستكلّف ترامب الكثير


من واشنطن: محمود بلحيمر


السؤال الذي تتداوله وسائل الإعلام الأميركية والسياسيون بحدة في واشنطن هذه الأيام هو متى وكيف سينهي الرئيس دونالد ترامب حربه على إيران؟ فما صوّره ترامب على أنها مجرد "نزهة قصيرة" بدأ يبدو وكأنه مستنقع قد يصعب الخروج منه، وحتى إن خرج فإن التكاليف ستكون باهضة على ترامب ومعسكره، سياسيا تحديدا، وعلى أميركا بشكل عام.


هناك خياراسن يتم تداولهما بشأن مستقبل الحرب الأميركية الإسرائيلية التي دخلت أسبوعها الثالث

 الأول؛ إعلان الانتصار والمضي إلى تنفيذ استراتيجية واضحة للخروج من الحرب. مثل هكذا سيناريو سيجعل إدارة ترامب تكتفي بالانتصارات التي تحدث عنها منذ بدء الحرب في تصريحات عديدة وتفادي تكاليف باهضة للحرب. بعض المحللين يقولون إن هذا سيسمح لترامب بالخروج من مستنقع الحرب وتحويل الاهتمام إلى الشأن الداخلي لاسيما ملف الاقتصاد وتدهور القدرة الشرائية للأميركيين. وهناك ممن يرغبون بهذا الخيار يعتقدون أن ترامب وفريقه أخطأوا التقدير ودخلوا الحرب من دون أهداف واضحة ولا استراتيجية مدروسة. وفي هذا الشأن صرّح السيناتور الديمقراطي، كريس مورفي، أن "ترامب فقد السيطرة على الحرب وأن أفضل خيار له الآن هو تقليل خسائره وإنهاء الحرب، هذه هي الطريقة الوحيدة لتجنب كارثة أكبر"


الثاني؛ إكمال المهمة، والذي يعني مواصلة الحرب إلى غاية تحقيق جملة من الأهداف وعلى رأسها تغيير النظام في طهران والقضاء التام على البرنامج النووي والصواريخ الباليستية لإيران واحتواء أي تهديدات مستقبلية قد تشكلها إيران على إسرائيل والمصالح الأميركية بالمنطقة. الداعون لهذا الخيار عادة يُعرفون باسم "الصقور" داخل إدارة ترامب ومن مستشاريه والمقربين إليه، ونشير في هذا الصدد إلى تصريحات السيناتور عن ولاية ساوث كارولينا، ليندزي غارهام، الذي لم يتردد في الدعوة لإرسال قوات أميركية إلى إيران. 


أهداف الحرب لم تتحقق

يتحدث ترامب ووزير الحرب، بيت هيغسيث، عن تحقيق نتائج باهرة على المستوى العسكري، لاسيما تدمير القدرات العسكرية الإيرانية على نحو غير مسبوق، وقد تحمل تلك التصريحات كثيرا من الحقائق (نحن نتحدث عن القوة العسكرية والاقتصادية العظمى بمشاركة أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط)، لكن مهما يكون حجم الدمار الذي لحق بإيران وسيتكشف لاحقا، فإن معظم التقييمات تشير إلى أن أهداف الحرب الرئيسية لم تتحقق؛ فالنظام الإيراني لا يزال متماسكا وعلى رأسه مجتبى خامنئي الأكثر تشددا من والده، وعلى عكس توقعات واشنطن وتل أبيب لم ينهار النظام بعد إبادة كبار قادته وأبرزهم آية الله علي خامنئي، وإيران لا تزال قادرة على ضرب أهداف داخل إسرائيل والإضرار بمصالح أميركيا في الخليج، وأكثر من ذلك تبقى لدى إيران ورقة مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من صادرات النفط العالمي، وقد بدأ العالم يحس بوقع التداعيات الخطيرة لأي إضطرابات قد تستمر بهذا المضيق.


تحقيق الأهداف التي يتحدث عنها البيت الأبيض يتطلب مواصلة الحرب لأسابيع وربما لشهور، بتكاليف مالية باهضة ومع ضرورة نشر قوات أميركية على الأرض، وهو ما يعني أننا أمام تكرار سيناريو العراق عام 2003، (قتل نحو4484 جندي أميركي وجُرح نحو 32 ألفا). ويشدد معظم المحللين على أن استدعاء هذا النهج مجددا في حالة إيران سيكون مكلفا للغاية لترامب ولدول المنطقة وللاقتصاد العالمي ككل، ناهيك عن التحديات التي سيواجهها ترامب والحزب الجمهوري ونحن نقترب من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المصيرية (مقررة في مطلع نومفبر المقبل).


حرب إيران تفرض حاليا جملة من التحديات على ترامب وإدارته نوجزها فيما:

أولا: كلفة الحرب. تشير تقديرات إلى أن حرب ترامب على إيران ستكلف دافعي الضرائب الأميركيين نحو 65 مليار دولار، وقد ترتفع هذه الكلفة إذا استمرت الحرب لأكثر من شهرين، وذلك لتغطية العمليات العسكرية والتزوّد بالمعدات والذخائر وغيرها من الإمدادات، وهذا وفق ما كشف عنه "كانت سميترز" (Kent Smetters)، مدير برنامج لإعداد الميزانية يسمى (the Penn Wharton Budget Model)، والذي نشرته مجلة "فورتون". كما تشير تقديرات النموذج إلى أن الخسائر الاقتصادية والتكاليف المباشرة قد تتراوح بين 50 و210 مليار دولار.


وفي هذا الشأن سبق لمسؤولي وزارة الحرب أن أخبروا المشرّعين في الكونغرس بأن تكلفة الستة أيام الأولى من الحرب بلغت 11.3 مليار دولار، دون حساب النفقات الأخرى. ويجري الحديث عن احتمال طلب البيت الأبيض من الكونغرس تمويلا إضافيا للحرب بنحو 50 مليار دولار، ويُتوقع أن يلقى الطلب معارضة من الديمقراطيين وبعض النواب الجمهوريين، بما يعني رفض مواصلة تمويل الحرب.


مجلة "فوربس" الشهيرة قالت في تقرير لها نشرته يوم 10 مارس إن حرب ترامب على إيران تكلّف مليار دولار على الأقل، وأشارت إلى كلفة بعض الأسلحة المستخدمة في الحرب منها صواريخ توماهاوك التي تبلغ ما بين 2 إلى 3 مليون دولار، بينما تبلغ كلفة صواريخ الاعتراض المضادة للصواريخ الباليستية أكثر من 12 مليون دولار.


ثانيا: نزيف الاقتصاد. فمن التداعيات المباشرة للحرب على إيران ارتفاع متزايد لأسعار النفط التي تجاوزت عقبة المائة دولار، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين في أميركا بنحو 50 سنتا للغالون الواحد. ومن شأن هذا التطور أن يمس مباشرة جيوب الأميركيين بحيث بدأوا يشعرون بالتداعيات السلبية للحرب مع توقع مزيد من الارتفاع في تكاليف الطاقة والنقل والمواد الاستهلاكية وغيرها، وزيادة معدل التضخم الذي لا يزال مرتفعا. تضاف هذه المتاعب الاقتصادية للأسر الأميركية وهي تعاني أصلا من تدهور القدرة الشرائية، وقد سبق وأن علّقت آمالا كبيرة على ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عندما وعد بجعل تحسين أداء الاقتصاد على رأس أولوياته وأنه سيتفادى الدخول في حروب جديدة، لكن ما وقع هو العكس تماما.


تواصل الحرب يعني تواصل الاضطرابات في مضيق هرمز، وقد ألمح ترامب إلى أن صعوبة تأمين هذا الممر وحث الدول الأخرى على العمل على تأمينه، وهذا يعني بقاء أسعار الطاقة في مستوى أعلى لأجل غير محدود على عكس ما يحتاجه الاقتصاد الأميركي والأميركيون. فريق ترامب وداعميه في الكونغرس ووسائل الإعلام يرددون بصوت واحد "هناك بعض الألم على المدى القصير لكن هناك فوائد معتبرة على المدى الطويل"، لكن يصعب إقناع غالبية الأميركيين بهكذا خطاب.


ثالثا: شعبية ترامب. تراجعت شعبية ترامب عند الناخبين الأميركيين قبل بدء الحرب على إيران، غير أن الحرب عززت هذا المنحى إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأميركيين يعارضون الحرب على إيران، وكمثال على ذلك استطلاع اجرته رويترز وإبسوس ( Reuters-Ipsos) أظهر أن 43 % من الأميركيين يعارضون الحرب في مقابل 29% فقط يؤيدونها.


وإن كانت الغالبية العظمى من رافضي الحرب هي من الديمقراطيين لكن هذا لم يمنع من بروز شعور بالإحباط في وسط الجمهوريين من تيار "ماغا"، الذي تحمّس لإعادة انتخاب ترامب على أسس منها القطيعة مع سياسات "الحروب التي لا تنتهي" التي انتهجتها إدارات سابقة وعلى رأسهم المحافظين الجدد في ولاية الرئيس جورج بوش الإبن (2000-2008). هذه القاعدة تشعر بأن ترامب أخلف وعده وأدخل أميركا في حرب جديدة لا تُعرف نهايتها وتراجعت بالتالي أولويات الأميركيين في الداخل إلى أسفل أجندة الرئيس. في المقابل يحاول فريق ترامب والموالين له الدقع بسردية جديدة مفادها أن الرئيس "بصدد حماية الوطن من تهديدات وجودية وأن دخول الحرب كان ضروريا لهذا السبب..".


هل ستدفع هذه المعطيات ترامب لوقف الحرب؟ بعض التحليلات تشير إلى أن تحقيق النصر التام يستلزم نشر جنود أميركيين على الأرض، وحدات خاصة تحديدا، بغرض تنفيذ مهمة محددة وهي وضع اليد على كميات اليورانيوم المختصبة المخزنة في مناطق معينة داخل إيران، لتفادي أي تهديد نووي مستقبلي من إيران. تبدو هذه المهمة معقدة للغاية بسبب صعوبة الوصول إلى تلك المناطق، ومعظمها عبارة عن أنقاض بسبب القصف الأميركي الإسرائيلي المكثف، وبسبب ما تنطوي عليه من مغامرة بخسائر عالية في صفوف القوات الأميركية من شأنها أن تخلّف موجة من الغاضبين على ترامب حتى من أنصاره في حركة "ماغا".


م. ب

اخبار اخرى

الحرب على إيران ستكلّف ترامب الكثير | الحراك الإخباري