بلعريبي: توزيع بعض سكنات “عدل 3” نهاية السنة
أخبار
2026-05-03

بقلم مراد شبين
لستُ هنا لأرتدي عباءة الأستاذ، ولا لأعتلي منبر الواعظين، فالصحافة نفسها كفيلة بأن تُسقط عنك وهم الكمال كل صباح.
أنا فقط صحفي تعلّم، مع الوقت، أن أخطر ما يمكن أن يخسره الإعلامي ليس منصبه، ولا منبره، بل مصداقيته. وما تبقى بعد ذلك… مجرد ضجيج.
وفي غمرة هذا الضجيج الذي يملأ فضاءاتنا اليوم، أدركتُ عبر مسار مهني طويل أن المصداقية ليست ثوبًا نشتريه لنرتديه أمام الكاميرات، ولا شعارًا نرفعه عند الحاجة، بل هي عصبٌ حيّ يُبنى بالصبر والنزاهة، وتُسقى جذوره كل يوم بالصدق والانضباط. هي الهيبة التي تُكتسب بمرور الزمن، ولا تُفرض بقرار، ومن دونها يولد أي مشروع إعلامي ميتًا، مهما نُفخ في صورته من إمكانيات.
لقد علّمتني الممارسة أن الإعلام، في جوهره، يشبه كرة القدم؛ لا يكفي أن تملك خطة محكمة ومدربًا بارعًا لتنتصر، بل تحتاج إلى نجوم حقيقيين يدركون ثقل القميص الذي يرتدونه، ويعرفون أن الموهبة لا تُصنع في مختبرات التوجيه، ولا تُمنح بقرار إداري. النجم الحقيقي في عالم الصحافة هو من يجعل المتلقي بوصلته الوحيدة، لا من ينحني لإرضاء مستخدم نافذ، أو يلهث خلف رضا سلطة عابرة، أو يقتفي أثر هوىً مؤقت.
وفي زمن اختلطت فيه القيم، وصار الضجيج يُقدَّم أحيانًا على أنه رأي، والسطحية تُسوَّق باعتبارها جرأة، أصبح لزامًا على الإعلامي الحصيف أن ينأى بنفسه عن عدوى الاستسهال، وعن منطق “المؤثرين” حين يتحول التأثير إلى بديل عن المهنة. المشكلة ليست في المنصات، بل في سقوط المعايير؛ واعتماد الإثارة بديلا عن الحقيقة، والسبق بديلا عن الدقة، والانفعال بديلا عن الفهم.
الصحافة لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بوزن الأثر. ليست مهمتها أن تُشعل الغرائز، بل أن تستفز العقول؛ أن تُشوق الناس إلى المعرفة، لا أن تدفعهم إلى التصفيق الأعمى أو الغضب المجاني. دقة المصادر، ونزاهة المعالجة، والذكاء في التناول، ليست ترفًا مهنيًا، بل هي الحد الأدنى من احترام القارئ والمشاهد. فالصحفي الذي يحترم وعي جمهوره، يبني معه جسرًا من الثقة لا تهدمه عواصف الاختلاف والأجندات المتباينة.
وحين نذود عن حرية التعبير، يجب ألا ننسى أنها توأم المسؤولية. فالحرية التي لا يحكمها ضابط، ولا يؤطرها ضمير مهني يقظ، ليست إلا فوضى تذر الحقائق رمادًا.
الكلمة أمانة، لا سلاحا للاستهلاك السياسي، ولا وسيلة للركض خلف شعبوية عابرة تأكل من جرف الحقيقة لتُرضي لحظة انفعال.
وبعد أن تقضي عقودا طويلة في العمل الصحفي، ستكتشف أنك مازلت في مقعد السنة الأولى، تعيد قراءة الأبجدية كل صباح لتتعلم، وتتسلح كل صباح بضميرك قبل كلماتك، لأن الصحافة التي تفقد ضميرها، لا تصبح أكثر حرية… بل أكثر قابلية للبيع.
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03
أخبار
2026-05-03