anep-logo-new

الأحد، 3 ماي 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

في اليوم العالمي للصحافة…أتركوا كلب الحراسة !!

في اليوم العالمي للصحافة…أتركوا كلب الحراسة !!


 بقلم سليمان حميش 


زارني منذ أيام زميل في المهنة تدربت على يديه أجيال من الصحفيين في الداخل والخارج ، فسبقته بالسؤال " ما هذا الغياب وماذا تفعل الآن " فرد عليا سريعا وكأنه كان ينتظر ذلك " راني قاعد نطعم في العصافير " ، جواب لم أكن أتوقعه لثقل زميلي في اختصاصه ، لأن الصحافة هو رأس مال بشري بالدرجة الأولى ،وليس عناوين وحبر وأوراق وأشرطة وأفلام ، ولما يفرط فيه بمثل هذا التساهل المخيف ولا يحافظ عليه بلفه مثل حبات اللؤلؤ وسط الحرير ، فان مهنة المتاعب قد تحولت فعلا إلى ثقل وعبء يجب التخلص منها .


تجرني هذه الوضعية لنقف مجددا عند طرح نفس السؤال ، أي صحافة نريد ؟ صحافة تقول الحقيقة أو نصف الحقيقة أو صحافة بلا لون ولا طعم ولا رائحة . متفقون من يمين ويسار ومن فوق إلى تحت ، بأن الجزائر بحاجة إلى قطاع إعلام قوي ، في عصر السموات المفتوحة والثورة الرقمية الهائلة والذكاء الاصطناعي ، ولن يكون قويا إلا إذا كانت فيه الحرية والمسؤولية ترقيان بالمهنة إلى الاحترافية .


لوتتجول في الأحياء الراقية قد تصادف لافتة في باب فيلا كتب عليها " حذار يوجد كلب حراسة شرس " ، وهي معلومة قد يعيرها البعض اهتماما ، مثل ساعي البريد أو مراقب عداد الماء والكهرباء ، وقد يمر عليها البعض دون اكتراث ، ولكنها هي تنبيه لقاصدي البيت من الغرباء لتفادي "الصدمة "، وفيها أيضا تحذير للصوص بأن البيت مراقب بحيوان مفترس .وقد يتساءل البعض ما علاقة نباح الكلب بالصحافة ؟. الصحافة في دورها هي بمثابة كلب الحراسة في الدفاع عن قضايا الشعب والأمة من العابثين والمتربصين من لصوصية المسؤولين ومن فساد التسيير وسارقي المال العام . فالصحافة عندما " تنبح، فذلك هو دورها الطبيعي في اطلاق صفارات الانذار الأولى بوجود خطر داهم ،وتنبيه الحكومة والبرلمان والوالي والمير والمدير من الذين يسيرون الشأن العام والأموال العامة ، بوجود متربصين بمصالح المجموعة الوطنية . لذلك الصحافة من جوهر عملها "النباح "ضد الفساد والسطو على مقدرات البلد وضد سوء التسيير والاختلاس والتزوير والرشوة ، وتحييدها عن هذه المهمة ، سيصبح وجودها مثل "كلاب التجميل " كجزء من ديكور البيت ليس الا .


الحاصل أن حرية التعبير والصحافة ، مازال ينظر إليها سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وحتى إنسانيا وكأنها قضية تخص الصحفيين وحدهم ، وليست مسألة على علاقة بالمجتمع برمته ، هناك كثيرون يعتقدون بأنه " امتياز " لأهل مهنة المتاعب وهم المستفيدون وحدهم من " زبده " ، ولذلك يراد " شيطنتها " وإلصاق كل هموم الدنيا بها ، فلا هي تحظى برضا السلطة ولا بمحبة المعارضة ولا بدفاع المجتمع أو من لا صوت لهم . ولم يعد الصحافيون يجرون إلى المحاكم في قضايا القذف والشتم فحسب ، بل أضحى الصحفي في ظل " الأمر الواقع " ، يعاقب يوميا على المباشر ويتهم بـ " الكذب " فقط لأن ما كتبه كحقيقة لم تعجب هذه الجهة أو تلك أو أن ما كشفه من أخبار عن فساد أو اختلاس للمال العام مصنف في خانة " سر لا يباح به " للرأي العام. ومع ذلك قليلا ما أسمع من الناس ، من يرمي السياسيين أو الأحزاب أو البرلمانيين أو حتى بائعي السردين والخضر والأثاث القديم ، بممارسة الكذب ، لكنهم لا يجيدون أدنى عناء أو حياء في إطلاق ذلك على ما تنشره الصحافة يوميا ، بل يصدقون غثاء ما تلفظه وسائل التواصل الاجتماعي ( فيسبوك ,انستغرام ...) من إشاعات ، ويجادلون بأغلظ الإيمان في صحتها ، وكأنه البديل الموثوق الذي اختاروه لأنفسهم ، على درجة خطورته ، ويديرون ظهرهم للحقيقة الإعلامية الموثقة . لم ينزل ذلك من السماء فجأة ، بل هو نتاج خطاب شيطنة تحالف حوله الكثيرون ، لوأد سلاح وإخراجه من المعركة الحقيقية .


ألاحظ يوميا وزراء يلهثون يوميا لتفنيد " اشاعة " روجت في " الفيسبوك " عن قطاعاتهم ، ولكنهم يمتنعون عن تقديم معلومة للصحافة قبل ذلك ، تزيد من ترقية مهنيتها ورسالتها ، وكأنهم يريدون إقناع العالم الافتراضي ولا يهمهم الواقعي ، في سلوك خاطىء يراد به جعل الصحافة فقط لتكون الشماعة التي يعلق عليها أي شىء ، فالذي يفشل في مهمته الوزارية يعلق ذلك على الصحافة التي تآمرت عليه ، ومن لا يحسن فن الخطابة لحشد أتباع حزبه يتهم الصحافة بالتزييف والتحريف لأقواله وتصريحاته ، ومن تعرت عورته وظهر حبل كذبه القصير ، لا يجد حرجا في إضافة كذبة جديدة ، أن الصحافة هي السبب في أزمة البلد وفي سقوط برميل النفط وهي ... وهي ...

إن مثل هذا الإضعاف للصحافة ماليا وبشريا واحترافيا ، عن قصد أو بدونه ، سيفتح المجال لوسائل التواصل الاجتماعي لتملأ الفراغ ، لأن الطبيعة تكره الفراغ ، ولكن بين الصحافة التقليدية الاحترافية التي تتحرى معلوماتها من أكثر من مصدر وغربلتها قبل نشرها ومعروف عنوانها ومديرها ورئيس تحريرها ، وبين وسائل التواصل الاجتماعي من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها التي تعج بـ"الأخبار الكاذبة " و من الصعوبة بمكان تحديد ناشرها والمستفيد منها والمقتات بها ، وقد كشفت الكثير من المعطيات تواطىء دول وأجهزة في التحريض بها وبث سمومها بواسطتها بل أصبحت عنوانا لما يسمى بـ " الحروب الهجينة ".


قال المرحوم عبد الحميد مهري مقولة شهيرة أنه " سيأتي يوم لن تجد السلطة مع من تتحاور " ، بسبب غلق المجال السياسي والإعلامي ، ولم يكن ذلك معارضة منه وهو ابن النظام ، بل استشراف منه لما هو قادم من وراء هذه الثورة التكنولوجية الرقمية والذكاء الاصطناعي ، ولذلك فان كل مسعى للتخلص من الصحافة الأم وكسر مصداقيتها ، فهو مساهمة عن وعي أو من دونه ، في تقوية العالم الافتراضي الذي لا يمكن التحكم فيه ، مهما كانت القوانين ، لأن ورائه جيوش مجندة وميزانيات ضخمة أعدتها الدول العظمى للهيمنة والسيطرة ، مهمتها التحريض والفوضى وإشاعة الحروب والمآسي ، من خلال صناعة توجيه الرأي العام بها ، لمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي التي يصعب التحكم فيها أو تدجينها ، وهي بذلك شجعت البديل الافتراضي القاتل ...على حساب صحافة الواقع ، وفرطت في رأسمالها البشري الذي جعل زميلي يضطر لمرافقة " إطعام العصافير في أقفاصها ، على الاستفادة من خبرته في التحكم في غزو الافتراضي ورفع قدرة الإعلام الواقعي .


اتركوا الصحافة وشأنها في حراستها ، لها أخلاقيات وقواعد تخضع لها ورأي عام يحاسبها وقراء يعاقبونها ويحكمون لها أو ضدها ، بعيدا عن التهوين والتخوين .


ح . س

اخبار اخرى