بلعريبي يطلق مرحلة جديدة لرقمنة السكن: تقييم صارم وتسريع إنجاز مشاريع “LPL”
أخبار
2026-03-02

رأي من الحراك
2026-03-02
بقلم مراد شبين
في البرّاد، خلف علبة المسفوف والزبيب المُعدة لوجبة السحور، خبّأنا واقعيتنا، لا خوفاً من فسادها، بل خشية أن تفسدنا هي إن خرجت مبكراً إلى الضوء. نحتفظ بها كما تُحفظ الأدوية النادرة، تُستعمل عند الطوارئ فقط، في زمنٍ صار فيه الشرق الأوسط غرفة انتظار طويلة، تُعلن فيها الحروب عن نفسها قبل أن تصل، وتصل ردود الفعل قبل أن نفهم ما الذي حدث فعلاً.
نراقب المشهد الإيراني من شرفات بعيدة، نستنشق غبار المعارك كأنه تحليل سياسي، ونستحضر ـ دون أن نشعر ـ روح “نوفمبر” العظيمة؛ نستلهم من قدسيتها المواقف، ونحوّلها إلى استعارة جاهزة لكل نقاش. نحن كتيبة تُجيد الرقص على حبال البلاغة، تُمجّد الحق في القواميس أكثر مما تبحث عنه في الواقع، وتنتشي برائحة الثورة وهي تتبخر من فوهات بنادق لا يُسمع صوتها إلا عبر إشعارات الهاتف.
أصابعنا متشنجة، تنتظر “لايكات” تُثمن فحولتنا السياسية. نشجّع على تعددية الآراء ثم نصفها بالوقحة إذا تعدّدت، ونشحذ السكاكين لكل من يجرؤ على التشكيك في ذواتنا المتضخمة. نرفع أصواتنا لا لنُسمِع العالم، بل لنمنع العالم من الوصول إلينا. نجلد ذواتنا ثم نُرطب الجروح بمسكنات وطنية منتهية الصلاحية، ونعلن أننا بخير لأن الضجيج أعلى من الألم.
نكره ارتداء النظارات، فوضوح الرؤية مكلّف. نُحابي من يقصِف كرد فعل، ونتذكر حب من يُقصف من دون فعل، ونقف في المنتصف مثل نحوي يبني فعله للمجهول، أو متفرجٍ يحاول التصفيق للفريقين معاً، نكاية في أميركا. صداقات محسوبة بدقة صائغٍ مشوش الأفكار. يقول أحدهم: هل تذكرون من بارك اغتيال بوضياف وشدّ على أيادي "القتلة"؟ نرد عليه: ذاكرتنا تفضّل النُسخ الخفيفة من الوقائع.
لا يهمنا رأي الحكومة. كلنا حكومة. ردود فعلنا أكثر صخباً من الأحداث نفسها. لا نزايد، لكننا نناقص. نروّج للموقف السهل الذي يرفع من شأن عنتريتنا. نقبل من المحرمات ما لا يديننا، ونرفض ما يضعنا أمام المرآة. نسأل أنفسنا: ما الحاجة لعرض صور فحولتنا؟ ولماذا نتهم “ريفكا” عندما يتسع ثقب الأوزون؟ ثم نطالب “جعفر قاسم” بإضافة مشهد، نظهر فيه أمام العالم، وقد أدينا صلاة التراويح.
ليس لدينا ما يكفي من الوقت لشعار “بلدنا أولاً”، لأن القضايا البعيدة تمنحنا بطولة مجانية لا تتطلب إصلاح الشبر الأول تحت أقدامنا.
نحن أقوياء، هكذا نقول، لا لأننا انتصرنا، بل لأننا نحلم بهزيمة الآخرين. نجمّل قبح من يصفق لنا، ونقبّح وجوها لم نرها بَعد تحت النقاب.
وفي المشهد، واشنطن تواصل دورها في صناعة السلام بالقنابل الذكية، تعصر الإسفنجة دون أن تفقد الماء الذي فيها، تُبارك توزيع النار بالقسطاس على الأعداء الوهميين، وتعيد صياغة اللغة حتى تبدو النار “دفاعاً عن النفس”. ونتنياهو، كالطاووس يتباهى بانتصاراته التاريخية على الرضّع والأرامل. مجده يتألق في ذيله الذي منحه الذكاء الاصطناعي منقارا ورئتين إضافيتين. أما جائزة نوبل فقد عادت إلى الأصل، تبحث كل عام عن السلام في تمجيد الديناميت.
وفي خلفية المشهد دول مشرقية صغيرة تحلم بدقائق عرض على خشبة السيرك العالمي. جاهزة حتى للرقص الشرقي، تعشق الغرب كأبراج ومراكز تجارية، لكنها تخشى على نفسها من ديموقراطية الغرب المجنّحة.
أما الغرب الذي يصر على الحضور، رغم سنّ التقاعد، فقد أصبح أضحوكة الكواكب الأخرى، مازال يتغنى بالحرية والقيم، ويخبئ الحرية والقيم في جيبه حتى لا نتعرف على شكلهما أبدا.
في كل ليلة، ننظر إلى هذا الشرق وهذا الغرب، ثم نعود إلى البرّاد، نفتح بابه قليلاً، نتأكد أن واقعيتنا ما تزال هناك، باردة وصالحة للاستعمال. نغلقه بهدوء، ونفتح الشاشات، لنمتهن التحليل والغضب المؤقت. وفي لحظة صفاء نادرة، سنفهم ربّما أن الكيلومتر البعيد لن يُختصر بالصراخ، وأن بيتنا أولى بالتكييف من حرائق الكوكب.
كان يقول الحكيم: أمريكا تبيع لك القماش. أنت تصنع به أعلاما أميركية لإحراقها في مظاهرات التنديد، ثم تعود إلى أميركا لشراء القماش من جديد!
* (نص سريالي كُتب قبل الإفطار بساعة)
أخبار
2026-03-02
أخبار
2026-03-02
أخبار
2026-03-02
أخبار
2026-03-02
أخبار
2026-03-02
أخبار
2026-03-02