anep-logo-new

الأحد، 1 فيفري 2026

  • Logo of instagram
  • Logo of facebook
  • Logo of youtube
  • Logo of tiktok

ترامب أمضى عاما في البيت الأبيض.. رئاسة بلا قيود

ترامب أمضى عاما في البيت الأبيض.. رئاسة بلا قيود


من واشنطن: محمود بلحيمر


بحلول الـ 20 من يناير 2026 يكون الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أمضى عاما كاملا في البيت الأبيض. عام فقط كان كافيا لكي يصدم ترامب بسياساته وأسلوبه في الحكم الأميركيين والعالم، بما في ذلك الحلفاء التقليديين لواشنطن. ترامب شرع في قلب السياسة الأميركية رأسا على عقب.

لا يتردد بعض المحللين الأميركيين في القول إن رئاسة ترامب ستكون الأشد تأثيرا على مستقبل أميركا والعالم على نحو لم نشهده منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفيلت، الذي حكم أميركا لأربع ولايات رئاسية متتالية، منذ الأزمة الاقتصادية الكبرى وإلى غاية نهاية الحرب العالمية الثانية. وهناك من يصفون نهجه بـ"الثورة"، التي لا تحمل بالضرورة محتوى إيجابيا، لكن أسلوبه في الحكم ليس مألوفا في الرئاسات السابقة، وقد ينجر عنه تداعيات خطيرة على استقرار النظام الدولي وعلى الاستقرار الداخلي أيضا.


عودة إلى مستنقع الحروب

على مستوى السياسة الخارجية؛ وخلال عام، فعل ترامب ما تردد بشأنه الرؤساء الأربعة الذين سبقوه (كلينتون، بوش، أوباما وبايدن)؛ شنَ حربا على إيران بهجوم غير مسبوق على منشآتها النووية، وضرب حصارا بحريا وجويا على فنزويلا ثم خطف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ليحاكمهما بتهم تتعلق بالمخدرات ثم أفصح عن عزمه السيطرة على نفط فنزويلا. وفي الوقت نفسه يزعم ترامب أنه أوقف ثماني حروب ويرى أنه الأحق من غيره بجائزة نوبل للسلام.

أعلن عزمه امتلاك غزة وتحويلها إلى ريفيرا الشرق الأوسط، وبعدما سكت لشهور عن تواصل حرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع الفلسطيني فرض "خطة سلام" غريبة تبدو وكأنها صفقة بزنسة للسطو عليها بالفعل. لم يحقق وعده بوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا حال وصوله إلى البيت الأبيض ويضغط على رئيس أوكرانيا فلودومير زيلينسكي لكي يتخلي عن 20 بالمائة من أراضي بلاده لصالح روسيا كعربون تسوية للنزاع. وآخر خرجات ترامب تأكيد عزمه السيطرة على جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بالحكم الذاتي وتتبع مملكة الدانمارك، وهو الأمر الذي خلّف استياءً غير مسبوق لدى حلفاء أميركا في حلف شمال الأطلسي "الناتو".

دوليا أيضا، اختار ترامب نهج الحرب الاقتصادية على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة حيث فرض رسوما جمركية على منتجات من 185 دولة، على أمل تقليص عجز الميزان التجاري الأميركي وخلق وظائف للأميركيين وضمان هيمنة أميركا على الاقتصاد العالمي. حاليا، ليس هناك مؤشرات على أن هذا النهج سيحقق المكاسب التي يأمل ترامب وفريقه في تحقيقها.


سياسة داخلية مثيرة للانقسام

على مستوى السياسة الداخلية؛ دشّن ترامب حملة غير مسبوقة لطرد المهاجرين غير الشرعيين تنفيذا لما أعلنه خلال حملته الانتخابية والذي لقي تجاوبا من حركة "ماغا" الداعمة له. وفي ذات السياق، أرسل قوات الحرس الوطني إلى عدد من المدن الأميركية على نحو غير مسبوق ما أثار ردود فعل غاضبة في الشارع الأميركي. هذه السياسة خلّفت مآسي انسانية كثيرة لاسيما من خلال تشتيت عائلات بعد ترحيل غير الشرعيين وإبقاء ذويهم عادة أطفال المولودين في أميركا ويحملون جنسيتها.

كما أقر خطة لتقليص عمّال ومؤسسات الحكومة الفدرالية تضمنت غلق وكالات حكومية، لاسيما تلك التي تقدم مساعدات خارجية، وتسريح أكثر من 150 ألف من الموظفين في حملة لم تشهدها أميركا من قبل. ومن خلال تشريع وافق عليه الكونغرس أقر الرئيس الأميركي تخفيضات ضريبية كانت سارية المفعول منذ عام 2017 خلال ولايته الأولى، لكن القانون يحرم ملايين الأميركيين من الرعاية الصحية ويقلص التمويل المخصص للبرامج الإجتماعية التي يعتمد عليها الملايين. ورغم أن ترامب قد نال ثقة الناخبين بسبب وعوده بتحسين الاقتصاد لكنه لم يحقق ما وعد به بحيث أن تكاليف المعيشة لا تزال مرتفعة ومعدلات التضخم والبطالة والفائدة هي في مستويات أعلى مما كانت عليه خلال ولاية سلفه جو بايدن.

ومن خلال أوامر تنفيذية عديدة باشر ترامب سياسة تهدف لهدم سياسات اجتماعية اعتمدها الديمقراطيون، على غرار المثلية الجنسية، وإقرار سياسات محافظة تنسجم مع توجهات حركة "ماغا" التي تشكل وعاءه الانتخابي الرئيسي.

عدا سياسة الهجرة التي تلقى تأييدا في صفوف الجمهوريين، وإن كان بعضهم يعترض على طريقة تنفيذها، لاسيما بعض الإجراءات التي يعتبرونها غير إنسانية كتشتيت أسر المهاجرين، عدا ذلك، ينظر غالبية الأميركيين إلى سياسة ترامب الداخلية على أنها غير موفقة، ومنهم من يراها خطيرة وتكرس الانقسام الداخلي. ويزداد قلق الأميركيين أساسا حيال ملف الاقتصاد الذي كان حاسما في إعادة انتخابه، ويُعتبر نقطة القوة الرئيسية أمام منافسيه الديمقراطيين، وذلك وفق استطلاعات الرأي.

فقد أظهر استطلاع أجرته شبكة "سي أن أن" أن ما يقرب من 60% من الأميركيين يصفون السنة الأولى لترامب بأنها فاشلة. ووفق الاستطلاع يعتقد 55% من المستجوبين أن ترامب جعل الاقتصاد أسوأ، بينما يعتقد 36% فقط بأنه ركّز على الأولويات الصحيحة. ووفق نفس الاستطلاع فإن 39% فقط من الأميركيين راضون على أداء ترامب في المنصب.

هناك من يرسم صورة قاتمة عن سياسات ترامب خلال عامه الأول. لقد عبّر عن ذلك الكاتب الأميركي ماشا غيسن، (M. Gessen) في مقالة رأي نشرها في صحيفة "نيويورك تايمز"، في عدد 18 يناير الجاري، ومما كتب: "لقد أصبحنا دولةً تنشر حكومتُها الفيدرالية قوات عسكرية وشبه عسكرية في شوارع مدنها الكبرى، تُرهب السكان بذريعة حمايتهم. وقد يصف مراقب أجنبي حال الولايات المتحدة بأننا أمة على شفا حرب أهلية.. لقد أصبحنا دولةً تهاجم حكومتُها جامعاتِها، وتقطع تمويل الأبحاث، وتتراجع عن التقدم العلمي، وتعتدي على المتاحف، وتُفرغ المؤسسات الثقافية من مضمونها.. نحن نجعل أنفسنا أكثر غباءً. لقد أصبحنا دولةً تدوس بشكل استعراضي على القوانين الدولية. جيشنا يقصف دولةً مختلفة كل بضعة أسابيع، ويرتكب أعمال القتل في أعالي البحار، ويُطيح بزعماء سياسيين أجانب بالقوة. وحكومتنا تهدد العالم، بما في ذلك حلفاءنا، بطموحاتها الإمبريالية".


هناك أربع ملاحظات أسياسية طبعت رئاسة ترامب في العام الأول من ولايته الثانية.

أولا: سلطة رئاسية من دون قيود: ينظر ترامب إلى سلطته الرئاسية على أنها متحررة من القيود المؤسساتية المعروفة في واشنطن، وكان لصمت الكونغرس، الذي يسطر الجمهوريون على غرفتيه، أن فتح شهية ترامب للمضي في تعزيز نفوذه من خلال أوامر تنفيذية تجاوزت المائتين لحد الآن. لكن بعض قراراته أثارت جدلا ووصلت إلى القضاء. وسبق لكبيرة موظفي البيت الأبيض، سوزي ويلز، أن صرّحت في حوار شهير لمجلة "فانيتي فير" في منتصف ديسمبر الماضي أن ترامب "يعمل بمنطلق أنه لا يوجد شيء لا يستطيع فعله. لا شيء، صفر، لا شيء على الإطلاق".

هناك ملاحظة جوهرية وهي أن ترامب تبنى نهجا مغايرا عن ولايته السابقة في اختياره لفريقه الحكومي الحالي، فلقد انتقى عناصر قليلة أو منعدمة الخبرة، تدين بالولاء له ولا تتردد في مدحه والإشادة بذكائه وسداد رأيه في الاجتماعات الرسمية، التي تصبح وكأنها مجلس لملوك العصور الغابرة! وهذا الفريق الحكومي لا يعترض أو يناقش رغبات ترامب، على عكس الفريق الذي اختاره في ولايته الأولى بحيث ضم وجوها لها باع في المؤسسة السياسية والأمنية الأميركية وخبيرة في القطاعات التي تشرف عليها، مثل الجنرال جيم ماتيس والجنرال جون كيلي، وريك تلرسون، والتي كانت لها كلمتها في الاجتماعات الرسمية، الأمر الذي يفسر الإقالات العديدة في حكومته.  

ثانيا: سياسة خارجية مبنية على القوة الصلبة: الظاهر أن ترامب بصدد إعادة صياغة دور أميركا في العالم؛ فخلال عام انتقل من منتقد بشدة للحروب الخارجية وساعيا لترسيخ مبدأ "أميركا أولا" إلى مستخدم للقوة العسكرية السافرة ضد خصوم واشنطن على نحو غير مسبوق. رأينا ذلك في حالتي فنزويلا وإيران ونيجيريا، ومؤخرا بات يلوح ترامب باستخدام القوة للسيطرة على جزيرة غرينلاند والعودة لضرب إيران. يفصح ترامب وفريقه في أكثر من مناسبة على أن أميركا تمتلك القوة العسكرية والتكنولوجية التي لا تملكها أمة أخرى على وجه الأرض ولن تتردد في استخدامها لحماية ما تعتقد الإدارة أنها المصالح الحيوية لواشنطن.

ثالثا: أميركا لوحدها في مواجهة الجميع. على عكس الإدارات السابقة التي كانت تعتمد دبلوماسية نشطة لحشد دعم الحلفاء التقليديين وراء أي تحرك خارجي أميركي لا يكترث ترامب لموقف حلفاء واشنطن التقليديين لاسيما في أوروبا، أكثر من ذلك لا يتردد في انتقادهم وتوبيخهم أحيانا، بل ووصل الحد في حالة غرينلاند مثلا إلى شعور أوروبا بأنها ستكون هذه المرة هي الضحية لـ"أمبريالية" الحليف الأميركي. ضف إلى ذلك، أن إدارة ترامب همّشت المنظمات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة، بحيث انسحبت من 66 منظمة واتفاقية الدولية، منها تلك العاملة في مكافحة تغيُّر المناخ وحقوق الإنسان.

وقد أعلن ترامب صراحة في مقابلة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، مؤخر أنه لا حاجة له بالقانون الدولي، مضيفا بشأن إن كانت هناك قيود على صلاحياته أو سلطته على المستوى الدولي: "ثمة شيء واحد؛ أخلاقي، وعقلي. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني". وهذا النهج يحمل مخاطر في حال سلكته واشنطن تجاه قوى دولية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية مثل روسيا أو الصين.

رابعا: شرخ في حلف الرئيس: تشير بعض التحليلات إلى أن جبهة الرفض لسياسات ترامب هذه تكبر باستمرار، ليس فقط من جانب الديمقراطيين والمعتدلين من الجمهوريين بل أيضا من قاعدة ترامب الرئيسية "ماغا" التي باتت منقسة حول سياسات البيت الأبيض وتشعر بأن وعود ترامب الانتخابية لم تتحقق. لم يتحسن أداء الاقتصاد ولا تزال أميركا تصرف مليارات الدولارات في حروب خارجية في حين أن مستوى معيشة الأميركيين لم يتحسن. وهذا الشعور سيُترجم في صناديق الاقتراع خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم. بعض التحاليل تشير إلى سيطرة محتملة للديمقراطيين على مجلس النواب، وهو ما سيقيّد من حركة ترامب.


م. ب

اخبار اخرى