انطلاق جلسات تحضير الدخول المدرسي 2026-2027 بداية من الغد
أخبار
2026-01-31

رأي من الحراك
2026-01-27
من واشنطن: محمود بلحيمر
هناك مؤشر عن "حركة تمرد" من داخل المعسكر الغربي على "الترامبية". بدى ذلك واضحا هذا الأسبوع في خطاب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بسويسرا، الذي يُتوقع أن يكتب عنه التاريخ كثيرا. كارني تخلى عن لغة الدبلوماسي واستخدم لغة الصراحة في توصيف وضع النظام العالمي حاليا وطبيعة النظام الجديد الذي بدأ الرئيس الأميركي في تشكيله بالفعل.
ما أفصح عنه مارك كارني ليس جديدا، لكنه يُعتبر أول مسؤول سياسي غربي يجرؤ على انتقاد ترامب دون ذكره بالإسم، كما أنه كان صريحا في الاعتراف بإجحاف النظام الدولي تجاه الضعفاء ونفاقه تجاههم. يمكن إجمال أهم أفكار كارني في النقاط التالية:
أولا: النظام الدولي القائم على القواعد، والذي ساهم في استقرار نسبي للعلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية انتهى، وفق كارني، فحسبه "نحن في خضمّ قطيعة لا انتقال" ومن الوهم الاعتقاد بوجوده.
ثانيا: أن القوى الكبرى صارت تتصرف بمعزل عن قواعد النظام الدولي المتفق عليها مستفيذة مما لديها من القوة العسكرية والنفوذ ، مع تراجع كبير لدور المنظمات الدولية المعروفة، ووفق كارني فإن "القوى الكبرى بدأت تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح: الرسوم الجمركية أداة ضغط؛ والبنى التحتية المالية وسيلة إكراه؛ وسلاسل الإمداد نقاط ضعف تُستغل". وينطبق هذا التوصيف على سياسات ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير من العام الماضي.
ثالثا: كارني إعترف، ولو متأخرا، بأن النظام الدولي لم يكن عادلا بل انتقائيا، فقد قال في خطابه: "كنّا نعلم أن رواية النظام الدولي القائم على القواعد كانت جزئيا زائفة: أن الأقوى يعفي نفسه عند الحاجة؛ وأن قواعد التجارة تُطبّق بانتقائية؛ وأن القانون الدولي يُنفَّذ بصرامة متفاوتة بحسب هوية المتهم أو الضحية".
رابعا: أن على ما يسمى بـ"القوى المتوسطة" أن تتحرك معا حتى لا تتفاوض من موقع صعف، "لأنك إن لم تكن على الطاولة، فأنت على القائمة". ويقول كارني إنه "في في عالم تنافس القوى الكبرى، أمام الدول الواقعة في الوسط خياران: التنافس على نيل الرضى، أو التكاتف لخلق مسار ثالث مؤثّر. لا ينبغي أن يعمينا صعود القوة الصلبة عن حقيقة أن قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستبقى مؤثرة إذا اخترنا أن نمارسها معا".
وهذا خيار قد يكون مناسبا لما يسمى بدول الجنوب ومنها الجزائر، لكي تعمل مع القوى المتوسط لتنويع اقتصادها وامتلاك المقدرات الضرورية حتى تصمد وتحمي استقرارها في ظل نظام دولي غير مستقر.
كندا في مواجهة تهديدات ترامب
إلى غاية منتدى دافوس لم يجرؤ قائد سياسي غربي على انتقاد ترامب وسياسات أميركا الجديدة بهذا الشكل، فلقد حرصوا دوما على استخدام لغة دبلوماسية مهادنة تجاهه وتجنّبوا معارضته علانية، رغم حالة الخوف التي تنتابهم من تحركاته. لكن بات واضحا أن رغبة ترامب في السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة إلى الدانمارك وتهديده بفرض رسوم جمركية على من يعترض على ذلك من حلفاء أميركا الأوروبيين شكّل الخط الأحمر الذي جعل القادة الغربيين يراجعون حساباتهم لأنهم سيكونون الضحية المقبلة للطموحات الإمبراطورية للترامبية.
فخطاب كارني يكشف أن كندا، وهي جارة الولايات المتحدة بحدود تمتد على مسافة 8800 كيلومتر وبحجم مبادلات تجارية يقارب تريليون دولار سنويا، باتت تحس بمخاطر نهج ترامب في السياسة الخارجية على كندا أولا وعلى النظام العالمي ثانيا.
فكندا رفضت أطماع ترامب في ضم غرينلاند بالقوة. وقبل ذلك كانت كندا عرضة لحملة تنمر من ترامب بتصريحاته حول ضمها للولايات المتحدة وجعلها الولاية رقم 51، ثم أطلق على رئيس وزرائها لقب "الحاكم" وليس رئيس الوزراء، فعل ذلك مع جوستين ترودو ثم مع كارني. وأكثر من ذلك شعرت كندا بمخاطر حقيقة على اقتصادها واستقرارها بعد قرارات ترامب المتكررة بفرض رسوم جمركية على المنتوجات الكندية، وهي التي بنت على مدار عقود شراكة اقتصادية متينة مع الجار الجنوبي الوحيد.
لقد كانت لتصرفات ترامب مع الجار الشمالي نتائج عسكية لما كان يصبو إليه؛ ففي وقت يقول إنه يسعى لتقليص حجم العجز التجاري مع كندا وتعزيز صادرات أميركا إلى الخارج، دفعت سياسات الرسوم الجمركية كندا إلى البحث عن بدائل وعن شركاء جدد خارج القارة الأميركية.
وهذا ما أكده رئيس الوزراء الكندي في خطاب دافوس: "ننوّع شراكاتنا في الخارج بسرعة. أبرمنا شراكة استراتيجية شاملة مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الانضمام إلى ترتيبات المشتريات الدفاعية الأوروبية. ووقّعنا 12 صفقة تجارة وأمن في 4 قارات خلال الأشهر الستة الماضية. وخلال الأيام القليلة الماضية، أبرمنا شراكات استراتيجية جديدة مع الصين وقطر. ونتفاوض على اتفاقات تجارة حرة مع الهند ورابطة آسيان وتايلاند والفلبين وتكتل ميركوسور".
وبموجب الاتفاق مع الصين ستلغي كندا التعريفات الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية الصنع، مقابل تخفيف الصين للقيود المفروضة على الصادرات الزراعية الكندية، بما في ذلك الكانولا وجراد البحر.
هذا الاتفاق جعل ترامب يشعر بالمأزق الذي صنعه لنفسه فعاد مجددا إلى التهديد. ففي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم السبت 25 يناير هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على البضائع الكندية ردا على اتفاقية التجارة الجديدة بين أوتاوا وبيكين، كما هدد بفرض عقوبات تجارية قاسية على كندا في حال حاولت أن تكون "منفذا لتسليم البضائع الصينية" المتجهة إلى الولايات المتحدة.
القوة وحدها.. النهج الجديد لسياسة ترامب الخارجية
خلال منتدى دافوس قال ترامب إنه لن يستخدم القوة للسيطرة على غرينلاند، كما تخلى عن تهديداته بفرض رسوم جمركية كورقة ضغط للاستحواذ على الجزيرة. إلى غاية الآن يبدو أن ما يمكن أن نسميه بالمقاومة الغربية قد نجحت في دفع ترامب إلى القيام بخطوة إلى الخلف. مع ملاحظة أننا لم نر هذه المقاومة والرفض عندما تعلق الأمر باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو والسيطرة على نفط فنزويلي ولا في قضايا أخرى كقصف إيران وحرب الإبادة في غزة على سبيل المثال، حيث تظل قواعد النظام الدولي مغيّبة كما كانت دائما. وهذا يقودنا إلى حقيقة أن الدول الضعيفة محكوم عليها بقبول المصير المحتوم لإرادة القوى الكبرى أو التفاوض من موقع ضعف بما يجعلها تخسر قرارها السيادي وثرواتها، كما هو حاصل اليوم مع فنزويلا.
لكن تراجع ترامب في غرينلاند لا يعني تخليه عن نهجه الجديدة في السياسة الخارجية. فعلى عكس توقعات سابقة بأنه سينتهج سياسة خارجية انعزالية، انسجاما مع مبدأ "أميركا أولا"، (ترامب انتقد كثيرا تورط الإدارات الأميركية السابقة في حروب خارجية كلفتها تريليونات من الدولارات)، فقد أظهر أنه أكثر الرؤساء الأميركيين رغبة في المغامرات الخارجية وأن نهجه يعتمد على الاستعداد لاستخدام القوة لتحقيق ما يراه "مصالح أميركية"، غير آبه بمبادئ القانون الدولي. ملامح المبدأ الجديد للسياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب تدور حول القوة الصلبة وفقط، بمعنى بما أنك تملك القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجيا التي لا يتوفر عليها الخصوم فلماذا لا تستخدمها وتحقق ما تريد، ولتذهب الشرعية والأعراف الدولية إلى الجحيم!
إلى جانب القوة هناك نقطة أخرى محورية في نهج ترامب في السياسة الخارجية وهي إلغاء الأمم المتحدة واستبدالها بإطار جديد يكون فيه هو الآمر والناهي، يسمّى "مجلس السلام"، الذي أعلن عن ميثاقة الخميس الماضي في دافوس بحضور الدول التي قبلت العضوية فيه. وهذا المجلس الذي أسس خصيصا من أجل إنهاء الحرب في غزة يأمل ترامب في جعله إطارا لحل نزاعات دولية أخرى، على أن تدفع الدول المشاركة مبلغ مليار دولار ثمنا لعضويتها!
يبدو هذا المجلس أنه صُمم ليكون إطارا دوليا لإظفاء الشرعية على ما تفرزه القوة. ففي حالة غزة وزيادة على تغييب الأمم المتحدة ومؤسساتها هناك أيضا تغييب للفلسطينيين، بما في ذلك السلطة في رام الله، عن أي قرار مستقبلي بخصوص غزة، فكيف سيكون السلام في هذه الحالة؟ وكيف سيكون السلام في نزاعات أخرى في العالم في ظل تهديد ترامب باستخدام القوة في كل حين.
نشير هنا إلى ما كتبه الصحفي الأميركي الشهير، نيكولاس كريستوف، في 21 يناير في مقال في صحيفة "نيويورك تايمز بعنوان: "التهديد الأميركي: ثلاث كلمات لم أتخيل أبدا أنني سأكتبها". (The American Threat: Three Words I Never Imagined Typing)
ومما جاء فيه: "يؤلمني، كأميركي، أن أحثّ القادة على تحدّي بلدي، وربما يبدو هذا وكأنني غير وفيّ لبلدي. لكن الأمر ليس كذلك. فالاستيلاء على غرينلاند لن يفيد الأميركيين مثلما لم يفدهم احتلال العراق؛ لا نريد أن يُسيّر أبناؤنا دوريات في نووك أو تورونتو (كندا) تماما كما لم نكن نريدهم في الفلوجة أو قندهار."
واستشهد الكاتب بتصريح لـ لاري دايموند، الباحث في شؤون الديمقراطية بجامعة ستانفورد، الذي قال إنه "يجب على أصدقائنا وحلفائنا أن يتوقفوا عن مجاملة رئيس أميركا المجنون، وتمكينه والخضوع له. وحدها المقاومة الصريحة والحزم الصارم يمكن أن تخرجنا من دوامة الانحدار".
وفي نهاية المقال كتب كريستوف العبارة التالية: "كان هذا مقالا غريبا يُكتب؛ فمن المؤلم دعوة القوى الأجنبية إلى مقاومة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. لكنني شعرتُ أن هذه المقاومة ستكون في مصلحة الأميركيين والأجانب على حدّ سواء. وهناك حجة أخرى لم يتسع المجال لذكرها، وهي أن الرسوم الجمركية الجديدة التي هدّد بها ترامب ستُشكّل ضريبة على الأميركيين، تُفرض من أجل الترويج لحملة غريبة ضد غرينلاند، يبدو أنها تنبع جزئيًا من ضيقه لعدم فوزه بجائزة نوبل للسلام".
يدرك المتابعون للعلاقات الدولية على أن القوى الكبرى لا تحركها النوايا الحسنة أو الطموحات الأخلاقية، بل إن ما يحركها هو المصالخ والخوف والمنافسة والسعي الدؤوب لتحقيق الأمن. وهذا لانقاش فيه، لكن في حالة ترامب، يبدو أنه لا مجال للمصالح المتبادلة بما في ذلك بين الحلفاء الغربيين التقليديين، أما الضعفاء فمعرّضون للغزو والسطو على ثرواتهم في حال ما إذا تم تقويض قواعد النظام الدولي بشكل نهائي، مثلما تحدث رئيس الوزراء الكندي!
م. ب
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31