انطلاق جلسات تحضير الدخول المدرسي 2026-2027 بداية من الغد
أخبار
2026-01-31

الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار
بعد قراءة المشهد العالمي غداة "اعتقال مادورو" بطريقة عسكرية استعراضية ونقله لواشنطن للمحاكمة، وتباهي الرئيس ترامب بالعملية أمام الكاميرات، "يمكن القول إن المستقبل الأسود أمام الأبواب، لأن قانون الغاب أصبح سيدا، وأفلام الويسترن لم تعد بحاجة لاستوديوهات هوليود، والأمم المتحدة لم تعد ذات معنى، شأنها شأن القانون الدولي، وعلى الجميع أن يقرأ التحولات الإستراتيجية العالمية قراءة جيدة، فالتحالفات لم تعد ايديولوجية بل براغماتية.
تغير طبيعة الحروب
الحروب اليوم لم تعد تدور رحاها في البلد المستهدف بالعملية العسكرية بالضرورة، بل أصبحت تدور خارج الحدود المستهدفة، وكذلك السيادة لم تعد حمايتها تتم فقط خلف الحدود الوطنية، بل يجري الدفاع عنها خارج الحدود.
هذا هو الحال، وعليه ترسم السياسات وتخاض الحروب.
من هذا التمهيد، يمكن أن نفهم لماذا تتدخل الدول الكبرى في الدول المستهدفة، بحجة محاربة الإرهاب، أو محاربة عصابات المخدرات كما في حالة فنزويلا، فعندما تدعي الدول الكبرى الدفاع عن سيادتها، تقوم بالضرب في أي مكان، وتعلن أنها استهدفت جماعة إرهابية أو عصابة تهريب، وبذلك شنّت عدّة دول كبرى، حروبا في آسيا وإفريقيا والبلاد العربية، مثل العراق وأفغانستان وإيران وليبيا واليمن والصومال وغيرها.
لكن الخاسر أحيانا، ليس بالضرورة الدولة المتعرضة للهجوم والقصف فقط، بل الدول التي لها مصالح مع تلك الدولة أيضا.
من جهة أخرى، أصبحت الحروب تدار خارج المنطقة الجغرافية المستهدفة بالوكالة أحيانا، مثل الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، حيث تخوض أوكرانيا حربا نيابة عن الغرب، فالغرب خاصة الإتحاد الأوروبي وأمريكا يخوضان حربا مع روسيا في أوكرانيا، والخاسر في الحرب ليس بالضرورة أوكرانيا لوحدها.
وفي الهجوم على فنزويلا، فإن الخاسر ليس فنزويلا لوحدها.
من جهة أخرى، خيضت حروب بالوكالة بين القوى الكبرى مثلما حدث في سوريا، فيما يعرف بالنفوذ أو الترتيبات لما بعد الحرب، وخاضت إيران والسعودية حربا ضروسا في اليمن، كما خاضت السعودية والإمارات حربا في اليمن أيضا مطلع جانفي 2026، وتخوض الإمارات عدة حروب خارج مجالها الجغرافي مثل السودان عن طريق الدعم السريع لحميداتي، وحروبا أخرى ضد الإخوان المسلمين في عدة دول عربية، وفي ليبيا بدعم خليفة حفتر ماديا وعسكريا، وغيرها من الأمثلة.
والحروب تأخذ عدة أبعاد مثل الأبعاد الدينية خلال الحروب الصليبية مثلا، أو طابعا أهليا، كما تأخذ طابعا اقتصاديا وغيرها. وإن كان يصعب التمييز بين هذه، وتلك، لتداخل الأهداف من الحرب.
وعندما نأتي لآخر التطورات العالمية في مجال الحروب، ويتعلق الأمر بهجوم الولايات المتحدة على فنزويلا، يوم 3 جانفي 2026 الجاري، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يمكن القول أيضا أن الولايات المتحدة ضربت الصين في فنزويلا من خلال ضرب مصالحها الكبرى.
أمريكا تضرب الصين في فنزويلا
بداية، فرضت إدارة ترامب حصارا على صادرات فنزويلا النفطية من خلال فرض عقوبات على شركات مقرّها في هونغ كونغ والصين، وعقوبات على ناقلات نفط مرتبطة، وصفت بأنها "اسطول ظل" لتصدير النفط الفنزويلي للصين التي كانت تتحايل على العقوبات والحصار المفروض على فنزويلا. كما احتجزت أمريكا عدة بواخر ناقلة للنفط باتجاه الصين أساسا.
وهذا الحصار وهذه العقوبات تستهدف فنزويلا فعلا، لكنها يستهدف الصين أيضا، لأنها تعتبر أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، ويمثل ذلك قرابة 95 بالمئة من مداخيل فنزويلا.
وإذا كانت واشنطن قد ضربت مصدر دخل لفنزويلا، فإنها أيضا ضربت مصدر طاقوي للإقتصاد الصيني، ذلك أن المصافي الصينية الخاصة المعروفة باسم "أباريق الشاي"، ظلت لمدى سنوات مشترٍ دائم للنفط الفنزويلي، الذي يبلغ خمس القدرة التكريرية في الصين. وكانت الصين قد أوقفت رسمياً واردات النفط الفنزويلي لفترة بعد العقوبات الأميركية في 2019، لكنها استأنفتها في فبراير 2024، عبر "اسطول الظل" أي بشكل غير رسمي. وعندما حجزت أمريكا بواخر نقل النفط الفنزويلي، ردّت الصين بدبلوماسية قائلة: "إن احتجاز السفن تنمر أحادي، ويمثل انتهاكاً للقانون الدولي."
لكن الأمر تطور كثيرا، فبعد اعتقال نيكولاس مادورو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي أن بلاده ستدير فنزويلا (أي أنها ستستعمرها) وتطور حقول النفط وتبيعه لمن يحتاج. (يقصد الصين). حيث قال: "سنجعل شركات النفط الأميركية الكبرى، وهي الكبرى في أي مكان في العالم، تدخل وتنفق مليارات الدولارات وتصلح البنية التحتية النفطية المتضررة بشدة، وتبدأ في جني الأموال للبلاد".
وهنا تأكدت تصريحات مادرور الذي طالما اتهم الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على ثروات فنزويلا، ففي شهر نوفمبر 2025، صرح قائلا: "إن فنزويلا تُستهدف، لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، وأكثر من 30 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة". وأضاف "لو لم تكن لدينا هذه الثروات، ولم نكن في موقع إستراتيجي، لما ذكر أحد اسم فنزويلا".
وتعتبر فنزويلا، عضو مؤسس لمنظمة أوبك، وتمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تقدر بأكثر من 303 مليار برميل، أو ما يمثّل 20 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، بحسب تقديرات منظمة أوبك.
وعلى الرغم من هذه الاحتياطات، فإن فنزويلا تحتل المرتبة 12 عالميا من حيث إنتاج النفط في العالم، فهي تنتج فقط نحو 940 ألف برميل يوميا، بسبب ضعف البنية وقلة التمويل، وقلة الاستثمارات نتيجة للعقوبات الأمريكية المفروضة عليها، عام 2015 في عهد باراك أوباما.
وتستورد الصين تقريبا 70 بالمئة من هذا الإنتاج، فهي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يوميا خلال شهر ديسمبر 2025، لكن ذلك لا يمثل سوى 4 بالمئة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. ثم تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بعد الصين باستيراد قدر بنحو 222 ألف برميل يوميا خلال عام 2024.
البترول لأمريكا.. و"النفط مقابل الديون" للصين
مباشرة بعد تصريح دونالد ترامب بأنّ الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلاً، وإرسال شركات النفط الأميركية العملاقة لإنفاق مليارات الدولارات، وإصلاح البنية التحتية النفطية المتهالكة في فنزويلا، توجهت الأنظار إلى "الثلاثي الخطير" وهي شركات النفط الأمريكية العملاقة: شيفرون، إكسون موبيل، وكونوكو فيليبس.
هذه الشركات الثلاث هي التي طردها نظام هوغو شافيز وأمّم أصولها، وذلك ما وصفه ترامب بـ "أكبر عملية سرقة للممتلكات الأميركية في التاريخ". للإشارة فإن شيفرون لم تغادر فنزويلا تماماً، وبقيت تنتج نحو 140 ألف برميل يومياً.
هذه الشركات أمام فرصة تاريخية للتربع على 300 مليار احتياط نفطي في العالم والقيام باستثمارات عاجلة قدرها الخبراء بنحو 58 مليار دولار لإصلاح خطوط الأنابيب والمصافي التي لم يتم تحديثها منذ نصف قرن تقريبا.
ثم إن إكسون موبيل وكونوكو فيليبس لديهما أحكام قضائية في التحكيم الدولي لتعويضها بمليارات الدولارات من طرف فنزويلا كتعويض عن أصولهما المصادَرة من طرف نظام هوغو شافيز. فشركة "كونوكو فيليبس" تطالب بقيمة تتجاوز 10 مليارات دولار، بعد حصولها على أحكام دولية نهائية، وكذلك تطالب "إكسون موبيل" بحقوق تقدر بمليارات الدولارات أيضا.
وبناء عليه تطرح عدة تساؤلات حول مصير مداخيل النفط الفنزويلية وهل تعود فعلا على فنزويلا أم تغطي استثمارات الشركات والديون الخارجية، كما تطرح التساؤلات، عن مصير شركة النفط الفنزويلية، التي نشأت عام 1976 عقب عملية تأميم المحروقات.
كذلك تعد الصين أكبر دائن لفنزويلا بقروض واستثمارات تتجاوز 60 مليار دولار، كانت تُسددها مقابل شحنات من النفط، وبسيطرة أمريكا على النفط الفنزويلي، فإن تساؤلات كثيرة تطرح حول مصير استثماراتها وقروضها.
فهل تصبح فنزويلا نقط مواجهة بين أمريكا والصين، كما هي طايوان أم أن هناك حسابات لكل دولة؟
استشرافات خطيرة محتملة: الأقوياء قسموا العالم.
بناء على ما سبق يمكن القول أن المستقبل هو كما يلي:
1 – سوف تتفرّد الولايات المتحدة الأمريكية بفنزويلا، وتجسّد عمليا مبدأ مونرو "أمريكا للأمريكيين"، فتستحوذ على احتياطات النفط والغاز الفنزويلي للتربع على عرش منتجي النفط في العالم، وبموجب ذلك تتحكم في شرايين الاقتصاد العالمي وتتحكم في وتيرة النمو العالمي لا سيما الصيني، لتمكنها من التحكم في الأسعار.
2 - تدرك الصين أنها تلقت هزيمة نكراء بالهجوم الأمريكي على فنزويلا واختطاف حليفها مادورو خليفة هوغو شافيز، وأمام الصين خيارات محدودة وبعضها خيارات استراتيجية، حيث تكتفي بالإدانة للسلوك الأمريكي والحفاظ على علاقات حسنة مع أسياد فنزويلا الجدد والحصول على ديونها لدى فنزويلا واستثماراتها "نفطا" بالتدرج، مقابل غض الولايات المتحدة الطرف على تايوان، وربما هذا ما يفسّر المناورات الصينية الضخمة مؤخرا (شهر ديسمبر 2025) حول طايوان.
خاصة أنه بإمكان الصين الإستغناء عن النفط الفنزويلي الذي لا يمثل سوى 4 بالمئة من وارداتها، وهي تعتمد بشكل رئيسي على دول كبرى منتجة للنفط خاصة روسيا، والسعودية والعراق وعُمان وماليزيا. فقد استوردت على سبيل المثال من روسيا عام 2024 تقريبا 4 أضعاف ما تستورده من فنزويلا، حيث قدرت واردتها من روسيا بنحو 2.2 مليون برميل يوميا. ونحو 1.6 مليون برميل يوميا من السعودية.
3 – استفادت روسيا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما فيه الكفاية، فهي تستحوذ على مساحات شاسعة للغاية من أوكرانيا بموجب العملية العسكرية الخاصة لعام 2022 إلى جانب شبه جزيرة القرم، قدرها الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي في مقال له نشره شهر ديسمبر 2025 على الفايسبوك بـ 5 مرات أكبر من مساحة فلسطين، وهذه الصفقة كافية لكي تتخذ موسكو موقفا لينا تجاه "استيلاء" الولايات المتحدة على فنزويلا.
4- وسوف تستفيد إسرائيل أيضا من هذه الفوضى العالمية، فإسرائيل لم تدعم أوكرانيا في حربها مع روسيا، لذلك وبضغط أمريكي (أنظر تحليل الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي الذي أشرنا إليه أعلاه) ستغض روسيا الطرف عن الهجرة اليهودية من روسيا لإسرائيل لتعويض هجرة اليهود من إسرائيل إلى بلدانهم الأصلية بعد طوفان الأقصى الذي أدى إلى تراجع مكانة إسرائيل في الاستقرار السياسي إلى المرتبة 173 عالميا.
ويرجع تزايد المهاجرين اليهود الروس لإسرائيل بسبب استشعارهم تداعيات العقوبات الدولية والركود الاقتصادي في روسيا، وهو الامر الذي سعت اسرائيل لاسترضاء الدبلوماسية الروسية للسماح لهم بالهجرة، مقابل عدم تزويد أوكرانيا بالسلاح.
5- مقابل ذلك أيضا ستقوم إسرائيل ببسط نفوذها على "الشام" أي فلسطين ولبنان وسوريا وعدم المس بالقواعد الروسية في سوريا، (وهو ما حصلا فعلا)، ولاحقا ضم الضفة الغربية، وقطاع غزة. ومن الصعب أن تعترض موسكو على ذلك وهي التي ضمت مساحة أوكرانية تفوق 5 مرات مساحة فلسطين.
6 - إلى جانب ذلك، ستسعى إسرائيل للهيمنة على البحر الأحمر بتحالفها مع الإمارات الذي سيؤدي لتقسيم اليمن وتدريجيا قيام دولة صوماليا لاند. تفضي جميعها إلى سيطرة إسرائيل على الشام وشبه جزيرة العرب.
7-ولتحقيق ذلك الهدف، ستشتعل حربا جديدة ضد إيران تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة. وبمباركة ودعم وتحريض من إسرائيل ستخاض عدة حروب في منطقة الخليج، قد تكون حتى بين دول الخليج نفسها.
8- أمام فشل الأمم المتحدة، وسيادة قانون الغاب، فإن كل الدول المعارضة لإسرائيل، والرافضة للهيمنة الأمريكية والموالية لروسيا والصين، قد تجد صعوبات وتواجه تحديات في القريب المنظور. إلا إذا حدث ما يعصف بالبلطجة الأمريكية والصهيونية العالمية.
وقبل ذلك، أصبح المستقبل الأسود أمام الأبواب، وعلى الجميع أن يقرأ التحولات الإستراتيجية العالمية قراءة جيدة، فالتحالفات لم تعد أيديولوجية بل براغماتية.
هل فهمتم الآن، من هو الرابح ومن هو الخاسر، فاللبيب بالإشارة يفهم.
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31