انطلاق جلسات تحضير الدخول المدرسي 2026-2027 بداية من الغد
أخبار
2026-01-31

تشريح البعد الإستراتيجي للعلاقات الجزائرية التونسية على خلفية التعاون العسكري بين البلدين: من معاهدة "الناتو" إلى "الدفاع الاستراتيجي السعودي الباكستاني و لماذا رحب "التونسيون" بتصنيف تونس حليفا لواشنطن خارج "الناتو" وانتقدوا الاتفاق العسكري مع الجزائر؟ على الجزائر الإسراع بإنجاز مشروع غالسي لنقل الغاز نحو ايطاليا
الأستاذ الدكتور محمد عبد الستار
إذا كانت الجغرافيا آلة لإشعال الحروب كما قال إيف لاكوست، فيجب أن تكون ماكينة لتعزيز التعاون وتنويعه بين الجزائر وتونس.
التعاون في المجال العسكري سياسة الدول العظمى
إن التعاون بين الجزائر وتونس في المجال الأمني والعسكري ليس عيبا ولا بدعة، ذلك أن الجزائر تتعاون أمنيا وعسكريا مع العديد من الدول في مجال التدريب وتبادل المعلومات ومحاربة الإرهاب وغيرها، فلماذا يراد أن يكون التعاون بين الجزائر وتونس عيبا وبدعة ومساسا بسيادة تونس؟ ثم إن الدول العظمى حاليا هي التي ترتبط باتفاقيات الدفاع المشترك، رغم أن بعض الدول مثل أمريكا وروسيا وحتى الصين، نظريا، لا تحتاج لأي دولة.
وتكتسي أهميتها من خلال ضمان الأمن الجماعي عبر الردع المتبادل، والتدريب، وتبادل المعلومات، وبناء صناعة عسكرية مشتركة، ومواجهة التهديدات الجديدة كالإرهاب والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية والحروب السيبرانية، وتحقيق الاستقرار الإقليمي، كما توفر مظلة أمنية للدول الأعضاء ضد أي عدوان خارجي، خاصة بالنسبة للدول الضعيفة والصغيرة.
ونذكر على سبيل المثال أهم اتفاقيات الدفاع المشترك للتدليل على أن الرافضين للتعاون الجزائري التونسي في هذا المجال، إنما يستهدفون ضرب أهم مقوم للعلاقات الثنائية.
1 - حلف الناتو: يعتبر أهم نموذج للتحالفات العسكرية، وهو أداة عسكرية ردعية في يد أعضائه لاسيما الدول الغربية، نشأ عام 1949، وينص في التزامه الأساسي على أن أي هجوم على أي دولة عضو يُعتبر هجومًا على جميع الأعضاء.
ويضم الناتو في عضويته 31 دولة منها أقوى الدول في العالم اقتصاديا وعسكريا، مثل الولايات المتحدة، ودول الإتحاد الأوروبي على غرار فرنسا، بريطانيا، ألمانيا بالإضافة إلى دول خارج الإتحاد الأوروبي مثل تركيا، ويجري الرهان عليه حاليا لمواجهة روسيا ودعم أوكرانيا، وفي الحرب العالمية على الإرهاب، وربما مستقبلا ضد الصين في توتر علاقتها مع تايوان، وتم استغلاله حتى لإسقاط الدول كما حدث مع الزعيم الليبي معمر القذافي في ليبيا.
2 - معاهدة الأمن الجماعي: وُقعت هذه المعاهدة عام 1992 بين ست دول هي روسيا، بيلاروسيا، أرمينيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان. وتلتزم الدول الأعضاء بالدفاع المشترك والتنسيق العسكري بين الدول الأعضاء. ونلاحظ هنا أيضا أن روسيا وهي واحدة من أقوى الدول عسكريا في العالم ولجأت للتحالف والدفاع المشترك.
3 - "درع الجزيرة": وهو تحالف عسكري يجمع دول الخليج العربية، يهدف الدفاع عن دول مجلس التعاون الخليجي وتطوير قدراتها العسكرية المشتركة، نشأ عام 2000، يضم دول الخليج الست وهي السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين وعمان. وهذا الدرع هو الذي كان صمام أمان لدول الخليج خلال الربيع العربي عام 2011 لاسيما "البحرين"حيث تدخل فيها عسكريا لمنع سقوطها.
4- معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي: وقع الاتحاد الأوروبي هذه المعاهدة عام 2009 بين جميع الدول الأعضاء فيه تلتزم بموجبها كل دولة عضو في الإتحاد بتقديم المساعدة بكل الوسائل الممكنة حال تعرض أي من الأعضاء لهجوم مسلح.
5- معاهدة أنزوس : وقعت هذه الاتفاقية عام 1951 بين الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، للتعاون الدفاعي في المحيط الهادئ.
6 - اتفاقية كوريا الجنوبية والولايات المتحدة : وقعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية هذه الاتفاقية عام 1953 وتنص على ضمان الردع ضد كوريا الشمالية.
7 - معاهدة التعاون والأمن المتبادل: هذه الاتفاقية وقعت عام 1960 بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تلتزم بموجبها أمريكا بالدفاع عن اليابان في حالة تعرضها لهجوم.
8 - اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان: جرى توقيعها يوم 17 سبتمبر 2025 لتعزيز الردع وهي تتويج لعلاقات تعاون في المجال العسكري طيلة 8 عقود أو زيادة.
9 - معاهدة الدفاع المشترك للدول العربية: تم توقيع معاهدة الدفاع العربي المشترك يوم 17 جوان 1950 بالإسكندرية ضمت في البداية 7 دول عربية مستقلة، ثم التحقت بها باقي الدول العربية بعد استقلالها. لكن عدم تفعيل العمل بها جعل الدول العربية تسقط الواحدة تلو الأخرى مثل أحجار الدومينو وجعلها تلجأ لتحالفات أمنية خارج المنطقة العربية مع الولايات المتحدة أساسا ومع باكستان كما فعلت السعودية مؤخرا.
ونخلص من هذا العرض، أن التعاون العسكري بين الدول، بما في ذلك توقيع اتفاقيات الدفاع المشترك، ليست عيبا ولا بدعة، تعمل بها الدول القوية كما الضعيفة لحماية الأمن المشترك. وبناء عليه فإن التعاون العسكري وحتى الدفاع المشترك بين الجزائر وتونس ينبغي أن يكون مطلبا جماهيريا في ظل التحديات الأمنية العديدة التي تواجه البلدين، فالسعوديون أو الباكستانيون مثلا لم يطالبوا بلدانهم بنشر مضمون الاتفاق الإستراتيجي بين الدولتين، ولم يشككوا ولم يخوّنوا حكامهم.
كما أن الأوكرانيين، الذين تسعى بلادهم جاهدة لكي تنضم للناتو، لمواجهة روسيا وغيرها، لم يخوّنوا زيلينسكي، وينطبق هذا التشخيص على جميع الدول التي وقعت اتفاقيات تعاون أو دفاع مشترك أو تسعى إليها. وبالقياس تتضح الحقائق.
لماذا رحب "التونسيون" بتصنيف تونس حليفا لواشنطن خارج "الناتو"؟
استحضر هنا، موقفا آخر، فبه تتولد الإستنتاجات والتساؤلات. في عام 2015 منحت الولايات المتحدة تونس صفة حليف أساسي لواشنطن خارج حلف الناتو، بهدف تعزيز التعاون العسكري التونسي الأمريكي لمحاربة "الإرهاب". وذلك خلال زيارة الرئيس التونسي باجي قايد السبسي لواشنطن ولقاءة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
حينها تخوفت تحليلات إعلامية جزائرية (وهو ما يعكس موقف رسمي أيضا) من إمكانية حصول أمريكا على قواعد عسكرية في تونس، ومن تهديد الأمن القومي الجزائري، بتطويق أمريكا للجزائر من المغرب ومن تونس، ورغم حصول نحو 16 دولة عربية على هذه الصفة، إلا أن تونس هي الظهر الإستراتيجي للجزائر وهي البطن الرخو أيضا، وينطبق هذا على الجزائر بالنسبة لتونس.
ورغم المخاوف الجزائرية، فقد لاحظنا حينها ترحيب المحللين في تونس بهذه الصفة. الأمر الذي يطرح التساؤل عن سبب كل هذه الضجة بسبب توقيع اتفاق بين البلدين للتعاون الأمني والعسكري.؟ هل هناك حساسية تونسية تجاه الجزائر أم مجرد فئة لا ترغب في تحسين العلاقات بين البلدين.؟ أم هناك قوى تدفع نحو توتر العلاقات بين البلدين؟
وبناء عليه، ومن الناحية المنطقية، والبراغماتية، فإن تونس بحاجة ماسة للتعاون الأمني والعسكري مع الجزائر، فحسب تصنيف "غلوبال فاير باور" لأقوى الجيوش في العالم لعام 2025 فقد حلّ الجيش التونسي في المرتبة 90 عالميًا و14 عربيًا وإفريقيًا من بين 145 بلدًا في ترتيب أقوى جيوش العالم. بينما جاء الجيش الجزائري في المرتبة الـ 26 عالميا والثالثة عربيًا والثانية إفريقيًا. لذلك تحتاج تونس للجزائر، كما تحتاج الجزائر لتونس لاسيما في مجال تبادل المعلومات الإستخباراتية.
لذلك يعتبر كثير من المحللين سواء في الجزائر أو في تونس أن اللجنة العسكرية المشتركة بين تونس والجزائر تمثل مكسبا استراتيجيا حقيقيا، إذ تعكس إدراكا مشتركا بأن أمن البلدين مترابط وغير قابل للتجزئة، وأن التهديدات العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها إلا عبر آليات تنسيق دائمة.
عندما استهدف الإرهاب مدينة بن قردان عام 2016.
بتاريخ 7 مارس 2016، استهدفت جماعة إرهابية مدينة بن قردان في تونس، وكانت مدججة بالأسلحة، وتعتبر تلك العملية ثالث وأهم وأخطر عملية إرهابية تستهدف تونس بعد عملية الباردو وسوسة. وكان المحللون الجزائريون حينها يشعرون أن الجزائر هي التي استهدفت وليس تونس. (أنظر مثلا، مقال للدكتور محمد لعقاب، نشرته الجزائر اليوم بتاريخ 9 مارس 2016، بعنوان: عندما استهدفت الجزائر في بن قردان التونسية: الدلالات السياسية والأبعاد الإستراتيجية) وقال الكاتب حينذاك أي قبل 10 سنوات تقريبا ما يلي: "يجب منع تونس من السقوط في يد الجماعات الإرهابية، ويجب مساعدتها على عدم اتخاذ سياسة تعاون عسكرية أثبتت فشلها وخطورتها على الاستقرار والاستقلال والسيادة والوحدة والأمن والسلم في العراق وسوريا واليمن، فالحديث عن تونس هو في النهاية حديث عن الجزائر كلمة بكلمة، وجملة بجملة."
وأضاف قائلا: "إن سقوط تونس -لا قدر الله- في يد الجماعات الإرهابية على طريقة سوريا والعراق واليمن يعطينا صورة للوضعية الحقيقية للجزائر، حيث تصبح محاطة بمخاطر ومصادر تهديد حقيقية وليس افتراضية عبر كامل الحدود، من الغرب والجنوب والشرق وذلك على طول 7 آلاف كلم، لذلك يجب أن تلقى تونس من الجزائر كامل الدعم حتى تبقى واقفة، وتشكل الظهر الشرقي الذي يحميها."
قيل هذا قبل 10 سنوات تقريبا من توقيع اتفاق التعاون العسكري الذي يثير جدلا واسعا في تونس اليوم.
الأبعاد الاستراتيجية للتعاون بين الجزائر وتونس
إن الذين يريدون ضرب العلاقات بين الجزائر وتونس في كل المجالات، يفعلون ذلك، إما لأنهم لا يعرفون الأبعاد الاستراتيجية لذلك، أو يعرفون بدقة ويسعون لضربها، أو لا يعرفون وإنما تم توظيفهم من قبل الذين يعرفون. وعليه نحاول توضيح أهمية العلاقات بين الجزائر وتونس للبلدين وليس لدولة واحدة على حساب الأخرى.
إن الجزائر تتعامل مع تونس مهما كان رئيسها، فقد تعاونت مع نظامي بورقيبة وبن علي وتعاملت مع تونس وكانت النهضة الإسلامية سيدة فيها عقب الربيع العربي، في الوقت الذي كانت فيه عدة دول تطارد الإخوان المسلمين، وتعاملت مع المرزوقي وهو رئيس علماني يكره الجزائر، وتعاملت مع المحافظين في شكل الباجي قايد السبسي، وهي تتعامل اليوم مع قيس سعيد. فالجزائر يهمها تونس وليس من يحكم تونس. أي أن الجزائر تتعامل مع الرسمي الذي اختاره الشعب التونسي لحكم تونس.
الخطورة، هو أن ضرب العلاقات بين الجزائر وتونس، هو فعلا ضرب للجزائر، لتصبح كل حدودها مغلقة، لكنه أيضا ضرب لتونس بعزلها عن أهم عناصر قوتها واستقرارها، لتصبح تونس بين حدود مغلقة غربا (الجزائر) ومتوترة وغير آمنة شرقا (ليبيا). ونقف فيما يلي على أهم العناصر التي تضفي البعد الإستراتيجي للعلاقات بين الجزائر وتونس.
1- الحدود: الإرهاب والتهريب والهجرة
تملك الجزائر حدود بطول 7 آلاف كلم، 6 آلاف كلم منها حدود متوترة بسبب انهيارات أمنية في بلدان الجوار أدت لتنامي الوجود الإرهابي والأجنبي وارتفاع منسوب الجريمة المنظمة، تبقى فقط الحدود مع تونس مستقرة، ومن مصلحة الجزائر الإستراتيجية أن تكون تونس دولة قوية ومستقرة.
يبلغ طول الحدود البرية بين تونس والجزائر حوالي 965 كيلومترا، تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالًا إلى نقطة التقاطع الثلاثي مع ليبيا جنوبًا، وهي شريان اقتصادي وتجاري مهم للبلدين، وتعتبر حدود تونس مع الجزائر آمنة نسبيا مقارنة بحدودها مع ليبيا.
وفي السنوات الخمسة الأخيرة (2021-2025) أصبحت تونس منطقة عبور وحتى استقرار للهجرة غير الشرعية، وتعتبر حدودها مع الجزائر وليبيا مناطق لتدفق آلاف المهاجرين من دول افريقيا جنوب الصحراء. ومنذ عام 2022، كثفت الحكومة التونسية جهودها للسيطرة على تدفقات الهجرة، ونفذت حملات أمنية لاعتراض آلاف المهاجرين في البحر وتدمير مخيمات عشوائية لمهاجرين أفارقة. وشاهدنا مشادات حتى بين المواطنين التونسيين ومهاجرين أفارقة.
وإذا كان الإتحاد الأوروبي يرغب في مساعدة دول الجنوب منها تونس لصد الهجرة غير الشرعية، فكيف لا تتعاون تونس مع جيرانها لنفس الغرض؟
2 - التبادل التجاري: ارتفاع محسوس
شهد حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتونس ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة وصل إلى حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع هيمنة قطاع المحروقات على الصادرات الجزائرية. وقد ارتفعت المبادلات التجارية بنسبة 42 بالمئة منذ 2022، وهو مؤشر إيجابي جدا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وتعد تونس الشريك التجاري الثاني للجزائر في القارة الإفريقية، وتعتمد صادرات الجزائر إلى تونس بشكل رئيسي على المحروقات (حوالي 63 بالمئة) والمنتجات الفلاحية، وتعمل البلدان على تعزيز التبادل التجاري وتنويع المنتجات.
3 – السكك الحديدية والطريق العابر للصحراء
يتم استخدام القطارات لنقل كميات كبيرة من البضائع، بمعدل يصل إلى 80 حاوية أسبوعياً في بعض الأحيان، عبر الموانئ الجافة، ومستقبلا سيتم استعمال المشروع الجزائري الطريق العابر للصحراء الذي يربط تونس والجزائر بمالي والنيجر وتشاد ونيجيريا، والذي سيعزز ربط تونس بإفريقيا عبر الجزائر ويعزز صادراتها أيضا.
4- السياح الجزائريون: مدخل هام لتونس
يُعد السياح الجزائريون الفئة الأكبر من بين السواح الأجانب لتونس، حيث وصل عددهم إلى نحو 3.5 ملايين سائح جزائري في عام 2024، من أصل 10 مليون سائح أجنبي، وهو نفس الرقم تقريبا خلال 2025، بفضل القرب الجغرافي، عدم وجود تأشيرة، تعدد المعابر البرية، ومنحة السياحة التي تمنحها الحكومة الجزائرية للسواح الجزائريين. يعزز هذا التدفق الكبير إيرادات تونس، ويساهم في نمو اقتصادها، ويقدر بعض المختصين عائدات تونس من السياحة الجزائرية بما لا يقل عن 2 مليار يورو.
5- التسوق في الجزائر
إذا كان معظم الجزائريين يدخلون تونس من أجل السياحة أو العلاج للقرب من الحدود، فإنه يدخل يوميا عشرات المواطنين من تونس للجزائر للسياحة والتسلّع بدون التعرض لأي تضييق رغم أن المواد الغذائية في الجزائر مدعمة. ومنطقيا لا تقبل الحكومة خروجها عبر الحدود، لكنها غضت الطرف عندما تعلق الأمر بتونس.
6- الدين الخارجي لتونس
بات معروفا أن الجزائر دولة بدون ديون خارجية، لكن تونس تعتبر من بين الدول الأكثر مديونية في افريقيا، ففي نهاية 2024، قدّر دينها الخارجي بنحو 41 مليار دولار، وفقاً لبيانات البنك الدولي ومؤسسات مالية أفريقية. وتتراوح مرتبة تونس بين 7و10 في أفريقيا من حيث الديون الخارجية، وإن كانت جنوب افريقيا ومصر ونيجيريا تحتل المراتب الأولى في الدين الخارجي الإفريقي بنسبة 54 بالمئة من أصل 1200 مليار دولار قيمة الدين الخارجي لإفريقيا، فإن عدد سكان مصر وجنوب افريقيا ونيجيريا أعلى بكثير من تونس. ورغم أن تقارير إعلامية تحدثت عن تسديد تونس نحو 14 مليار دولار عام 2024 وهو مبلغ كبير جدا وشيء إيجابي، إلا أن الوضع لم يتغير كثيرا. وتبقى تونس بحاجة لقروض خارجية للنمو الاقتصادي.
ومنه تأتي الجزائر كواحدة من الدول التي يمكن الرهان عليها لدعم تونس ماليا، ورغم أن القروض الجزائرية لتونس ليست عالية، لكنها أيضا ليست "قروض أيديولوجية ولا سياسية" بل إنها ديون وقروض أخوية، وتتضمن القروض الجزائرية لتونس بشكل رئيسي قرضاً بقيمة 300 مليون دولار تم منحه في أواخر 2021، يتكون من 200 مليون دولار قرضاً بسعر فائدة 1بالمئة (مع فترة سماح 5 سنوات)، و100 مليون دولار هبة، بالإضافة إلى وديعة مالية سابقة بقيمة 150 مليون دولار في 2020 لمواجهة الأزمة الاقتصادية التونسية.
7- الجزائر مصدر رئيسي للغاز والكهرباء
تعتبر الجزائر من مصادر الكهرباء لتونس، ففي مطلع 2025 مثلا تدخلت الجزائر لحل أزمة الغاز المنزلي بسبب ارتفاع الطلب نتيجة برودة الطقس. وأكدت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية بتاريخ 3جانفي 2025 بقولها أن تونس حصلت على أكثر من 22 ألف طن من الغاز من الجزائر، لمواجهة زيادة الطلب المحلي بسبب موجة البرد التي تعيشها البلاد خلال فصل الشتاء.
ولا يغطي إنتاج تونس من الغاز احتياجاتها الاجتماعية والإقتصادية، لذلك تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الجزائرية، سواء كشراء مباشر أو كرسوم عبور. وتقدر نسبة اعتماد تونس على الغاز الجزائري بنحو 63 بالمئة تقريبا، وقد ارتفعت مشترياتها من الغاز الجزائري بنسبة 24 بالمئة شهر ماي 2025 حسب تقارير صحفية، كما تم تمديد اتفاقية بيع الغاز لتونس حتى عام 2027.
وتتلقى تونس حقوق عبور أنبوب الغاز العابر للأراضي التونسية نحو إيطاليا (ترانسميد أو أونريكوماتي)، وكلما زادت الكميات نحو أوروبا زادت استفادة تونس. وتتلقى تونس حسب مصادر رسمية رسومًا مقابل نقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا عبر أراضيها بنسبة تتراوح بين 5.25 بالمئة و6.75 بالمئة من حجم الغاز المنقول، وعليه قدرت مكاسب تونس من زيادة ضخ الغاز لإيطاليا بنحو 200 مليون دولار كرسوم عبور عام 2022، بينما حققت تونس في 2018 عائدات عبور بنحو 197 مليون دولار و183 مليون دولار في 2017.
كذلك يعتمد إنتاج الكهرباء في تونس بشكل شبه كلي على الغاز الطبيعي، تغطي الصادرات الجزائرية من الكهرباء لتونس بين 10-14 بالمئة من احتياجات السوق التونسية، ووصلت في بعض الأحيان إلى 1000 ميغاواط لسد احتياجات طارئة في الشبكة التونسية. سجّلت صادرات الكهرباء من الجزائر إلى تونس ارتفاعًا بنسبة 11 بالمائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2025، وفق بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم التونسي، لتشكل بذلك جدارا أمنيا طاقويا لتونس.
على الجزائر الإسراع بإنجاز مشروع غالسي
بناء على الحملة التي تستهدف الجزائر، الداعية بشكل أو بآخر لغلق الحدود، ووقف التعاون، وغيرها، فإنه من واجب الجزائر الإسراع في انجاز مشروع غالسي لنقل الغاز الطبيعي الجزائري لإيطاليا عبر البحر بدل الأراضي التونسية، وفي حال ما إذا حدث لإيطاليا مع تونس ما حدث لإسبانيا مع المغرب، أو في حال ما إذا تأثرت علاقات تونس بالجزائر كما تأثرت علاقات الجزائر بالمغرب سيكون للجزائر أنبوبا جاهزا إنه غالسي، مثلما وجدت الجزائر الأنبوب الرابط بينها وبين إسبانيا عبر المتوسط (ميدغاز) جاهزا وأوقفت العمل بالأنبوب المغاربي الأوروبي المار عبر الأراضي المغربية.
فبناء على هذه الحملة التي تستهدف الجزائر، ترتفع المخاوف من ضرب العلاقات الثنائية، وبالتالي يصبح الإحتياط فرضا.
المحصلة
إن تدهور العلاقات الجزائرية التونسية، يعني فقدان البلدين كل الإمتيازات الإستراتيجية التي أشرت إليها، لذلك إذا أراد الجزائريون أن لا تنجر تونس نحو تعاون عسكري مع دول أخرى عليهم مساعدتها، وإذا أرادوا عدم لجوء تونس للمؤسسات المالية الدولية عليهم إقراضها، وإذا أراد التونسيون الدعم والسند الجزائري ماديا وأمنيا وطاقويا وسياحيا وغير ذلك عليهم بالحكمة وعدم ترك السياسة الخارجية في يد التيكتوكيين والفايسبوكيين.
وأعود في الختام إلى مقدمة المقال لأقول :"محظوظة كل من الجزائر وتونس لبعدهما عن الشيطان وقربهما من بعض". وإذا كانت الجغرافيا آلة لإشعال الحروب كما قال إيف لاكوست، فيجب أن تكون ماكينة لتعزيز التعاون وتنويعه بين الجزائر وتونس.
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31
أخبار
2026-01-31